شرعية الفنادق.. حين تتحول الاوطان إلى مشاريع استثمار والحروب الى غنائم

تقارير - منذ 4 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
في الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة الجوع والانهيار الاقتصادي، وتتحول الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء، تستمر طبقة واسعة من المسؤولين والسياسيين في إدارة البلاد من خلف جدران الفنادق الفارهة والعواصم البعيدة، وكأن ما يجري على الأرض لا يعنيهم، وكأن الوطن مجرد ملف سياسي يدرّ عليهم الامتيازات والمخصصات بالعملة الصعبة.

المشهد بات صادماً إلى حد الاستفزاز. شعب كامل يعيش في ظلام الكهرباء، وانقطاع الرواتب، وانهيار العملة، وارتفاع أسعار الغذاء والدواء، بينما تتضخم فاتورة الإقامة والإعاشات والسفر لقيادات يفترض أنها تمثل هذا الشعب وتدافع عن قضاياه.

المفارقة المؤلمة أن من يدّعون إدارة الدولة لم يعودوا يعيشون داخلها، ولم يعودوا يلامسون واقع الناس أو يشعرون بمعاناتهم، بل تحولت “الشرعية” بالنسبة لكثير منهم إلى وظيفة مريحة ومصدر دخل دائم أكثر من كونها مسؤولية وطنية أو مشروعاً لاستعادة الدولة.

لقد أصبح المواطن ينظر بغضب إلى هذا الانفصال المخيف بين السلطة والناس. فكيف يمكن لمسؤول يتقاضى راتبه بالدولار ويقيم في الفنادق الفاخرة أن يفهم معاناة موظف لم يستلم راتبه منذ أشهر؟ وكيف لمن يعيش في أجواء مستقرة وآمنة خارج البلاد أن يستوعب حجم الانهيار الذي يعيشه المواطن يومياً في الداخل؟ هذه الهوة الواسعة بين الحاكم والمحكوم لم تعد مجرد أزمة سياسية، بل تحولت إلى أزمة أخلاقية عميقة أفقدت كثيراً من تلك القيادات ما تبقى لها من رصيد شعبي.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع خلق طبقة من “تجار الأزمات”، ممن باتت مصالحهم مرتبطة ببقاء الحرب واستمرار الفوضى. فكلما طال أمد الأزمة استمرت الامتيازات وتدفقت الأموال وتوسعت شبكات النفوذ والمحسوبية. ولهذا لم يعد مستغرباً أن يشعر المواطن بأن بعض القوى السياسية لم تعد تبحث عن حلول حقيقية، بل عن إدارة دائمة للأزمة بما يضمن استمرار مصالحها الخاصة.

وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد الأصوات الشعبية المطالبة بعودة جميع المسؤولين إلى الداخل، ليس كشعار سياسي فقط، بل كاختبار حقيقي للشرعية والمسؤولية. فمن يريد أن يحكم الناس يجب أن يعيش بينهم، وأن يواجه معهم انقطاع الخدمات، وغلاء المعيشة، وتدهور العملة، وأن يتحمل جزءاً من المعاناة التي يعيشها المواطن البسيط كل يوم.

أما إدارة البلاد عن بُعد، عبر الاجتماعات المغلقة والغرف المكيفة، فلم تعد مقبولة لدى الشارع الذي يشعر بأنه تُرك وحيداً في مواجهة الانهيار.
كما أن حجم الإنفاق الهائل على الإقامات والمخصصات الخارجية بات يثير غضباً واسعاً، خصوصاً في ظل عجز الدولة عن توفير أبسط الخدمات الأساسية.

فالمواطن يتساءل: كيف تعجز الحكومة عن دفع المرتبات أو تحسين الكهرباء، بينما تُصرف ملايين الدولارات على مسؤولين غائبين عن الميدان؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي بينما يستمر هذا النزيف المالي المفتوح بلا رقابة أو محاسبة؟

اليوم لم تعد المشكلة في غياب الحلول فقط، بل في غياب الإرادة السياسية والشعور الحقيقي بالمسؤولية. فالأوطان لا تُدار من المنافي، ولا تُبنى بالشعارات والخطابات، بل بالحضور وسط الناس وتحمل المسؤولية أمامهم. وكلما استمرت حالة الانفصال بين السلطة والشارع، ازداد الاحتقان الشعبي واتسعت فجوة الثقة، حتى بات كثيرون يرون أن الشرعية الحقيقية لم تعد تُقاس بالألقاب والمناصب، بل بمدى القرب من معاناة الناس والقدرة على مواجهتها.

إن الشعوب قد تصبر على الفقر والحروب، لكنها لا تغفر لمن يحول معاناتها إلى تجارة، ولا لمن يجعل من الوطن مشروعاً للامتيازات الشخصية. ولهذا فإن أي محاولة لاستعادة الثقة تبدأ أولاً بعودة المسؤول إلى الداخل، وبتحويل المناصب من مكاسب خاصة إلى مسؤوليات حقيقية، وبإنهاء مرحلة “شرعية الفنادق” التي تحولت في نظر كثير من المواطنين إلى رمز للفشل والانفصال عن الواقع.بل وسيله لاستفزاز الناس والرقص على جراحهم والاستثمار في الامهم

فيديو