الجنوب بعد التقارب السعودي الإيراني.. واقع جديد يصعب الالتفاف عليه

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن||عين الجنوب||خاص:
مع كل خطوة تقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران،باذرعه الحوثيه تتجدد التساؤلات في الأوساط السياسية اليمنية حول انعكاسات هذا التقارب على مستقبل القضية الجنوبية، وحول ما إذا كانت التفاهمات الإقليمية الجديدة قد تفتح الباب أمام صفقات أو ترتيبات سياسية تتم على حساب الجنوب وثرواته وموقعه الاستراتيجي. غير أن القراءة المتأنية لمجريات الأحداث ولموازين القوى على الأرض تكشف أن الجنوب اليوم لم يعد ذلك الطرف الغائب عن المعادلات الإقليمية كما كان في مراحل سابقة، بل أصبح رقماً فاعلاً يمتلك من أدوات التأثير ما يجعله حاضراً في أي ترتيبات تخص مستقبله.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب استطاع بناء واقع سياسي وعسكري وأمني مختلف، وأن أبناءه تمكنوا من فرض حضورهم في أكثر الملفات تعقيداً رغم حجم التحديات والمؤامرات التي استهدفتهم. ومنذ انطلاق الحرب وتغير خارطة النفوذ في المنطقة، تحولت المحافظات الجنوبية إلى عامل استقرار نسبي مقارنة بمناطق أخرى غرقت في الفوضى والصراعات، الأمر الذي منح الجنوب أهمية متزايدة لدى القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى حماية خطوط الملاحة الدولية وضمان أمن المنطقة.
التفاهم الإيراني السعودي باذرعه الحوثيه جاء في الأساس نتيجة مصالح استراتيجية تخص البلدين وتسعى إلى تخفيف حدة التوتر في المنطقة واحتواء بؤر الصراع المفتوحة، لكنه لا يعني بالضرورة إعادة رسم خرائط النفوذ وفق رغبات الأطراف المتصارعة داخل اليمن. فالقضية الجنوبية ليست ملفاً يمكن التعامل معه كجزء من ترتيبات جانبية أو كمادة للمساومات السياسية، بل هي قضية شعب يمتلك إرادة واضحة ومشروعاً سياسياً يعبر عنه على الأرض، وهو ما يجعل تجاوز هذه الحقيقة أمراً بالغ الصعوبة.
كما أن الثروات الجنوبية التي ظلت لعقود طويلة محوراً للصراع ومصدراً للاستنزاف أصبحت اليوم جزءاً من معركة الوعي الشعبي والسياسي في الجنوب. فهناك إدراك متزايد بأن النفط والغاز والموانئ والمواقع الاستراتيجية ليست مجرد موارد اقتصادية، بل تمثل ركائز أساسية لأي مشروع دولة مستقبلية. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج سياسات الهيمنة أو التحكم بهذه الثروات بعيداً عن إرادة أبناء الجنوب ستواجه برفض واسع ومقاومة سياسية وشعبية كبيرة.
وتدرك القوى الإقليمية الفاعلة أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر تجاهل الحقائق القائمة على الأرض أو عبر فرض حلول تتناقض مع تطلعات الشعوب. فالجنوب الذي قدم آلاف التضحيات خلال العقود الماضية لم يعد مستعداً للعودة إلى المربعات القديمة، كما أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أوجدت واقعاً جديداً يصعب القفز عليه أو الالتفاف حوله.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، تبدو الحاجة ملحة أمام القوى الجنوبية لتعزيز وحدتها الداخلية وتحصين جبهتها السياسية والاقتصادية، لأن قوة الموقف الجنوبي لا تعتمد فقط على التحولات الخارجية أو على مواقف الأطراف الإقليمية، بل تنبع أولاً من قدرة الجنوبيين على التمسك بأهدافهم وإدارة مواردهم وبناء مؤسساتهم وتعزيز حضورهم في مختلف المحافل السياسية.
إن التفاهم الإيراني السعودي قد يساهم في تهدئة بعض الملفات الساخنة ويخلق فرصاً جديدة للحوار وخفض التصعيد، لكنه لا يلغي الحقائق التي تشكلت خلال سنوات طويلة من الصراع، ولا يمنح أي طرف القدرة على التصرف بمصير الجنوب أو ثرواته بعيداً عن إرادة شعبه. فالمعادلات تغيرت، والجنوب أصبح جزءاً من المشهد الإقليمي لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها المصالح.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على وعي أبناء الجنوب وتمسكهم بحقوقهم وثرواتهم ومكتسباتهم السياسية، لأن الشعوب التي استطاعت فرض وجودها بالتضحيات والصمود قادرة على حماية مصالحها مهما تبدلت التحالفات أو تغيرت اتجاهات الرياح السياسية. أما أي تفاهمات إقليمية أو دولية قادمة، فإن نجاحها واستدامتها سيظلان مرتبطين بمدى احترامها لحقائق الأرض وإرادة الشعوب، وفي مقدمتها شعب الجنوب الذي يؤكد يوماً بعد آخر أنه ليس طرفاً قابلاً للمقايضة، وأن ثرواته ومستقبله خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

فيديو