عدن بين مطرقة الأزمات وسندان الفشل… حين تعجز سلطة الأمر الواقع عن إدارة مدينة أنهكتها المعاناة

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
لم تعد الأزمات المتلاحقة التي تعيشها مدينة عدن مجرد أحداث عابرة أو اختلالات مؤقتة يمكن تجاوزها بقرارات سريعة أو وعود إعلامية، بل تحولت إلى واقع يومي ثقيل يعيشه المواطن في تفاصيل حياته البسيطة، من انقطاع الخدمات الأساسية إلى تعثر صرف المرتبات وتدهور الوضع الأمني. ومع مرور الوقت تتزايد الأسئلة في الشارع العدني حول قدرة سلطة الأمر الواقع على إدارة مدينة بحجم وتعقيد عدن، التي كانت يومًا ما نموذجًا للاستقرار الإداري والاقتصادي في المنطقة.
ففي ملف الخدمات تبدو الصورة أكثر قتامة مما يتوقعه المواطنون الذين كانوا يأملون تحسن الأوضاع بعد سنوات من الحرب والفوضى. الكهرباء التي تشكل العصب الأساسي للحياة في مدينة ساحلية شديدة الحرارة تحولت إلى أزمة مزمنة، حيث يعيش السكان ساعات طويلة من الانقطاع مقابل فترات تشغيل محدودة لا تكاد تكفي لتسيير شؤون الحياة اليومية. ومع قدومالصيف يزداد الوضع سوءًا، وتتحول معاناة المواطنين إلى حالة من الإحباط والغضب، خصوصًا في ظل غياب حلول جذرية تضع حدًا لهذا النزيف المستمر.
ولا يختلف الحال كثيرًا في ملف المياه، حيث تعاني العديد من الأحياء من شح الإمدادات وارتفاع تكاليف شراء المياه من الصهاريج الخاصة، الأمر الذي يضيف عبئًا اقتصاديًا جديدًا على كاهل الأسر التي تعيش أصلًا تحت ضغط الغلاء وانهيار القدرة الشرائية. وبين الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرقات المتهالكة، يجد المواطن نفسه محاصرًا بسلسلة طويلة من الأزمات التي تعكس حجم الخلل في إدارة ملف الخدمات العامة.
أما المرتبات، فهي قصة أخرى من المعاناة اليومية التي يعيشها الموظفون في مختلف القطاعات. فالتأخير في صرف الرواتب وعدم انتظامها خلق حالة من القلق وعدم الاستقرار لدى آلاف الأسر التي تعتمد بشكل كامل على هذه المرتبات لتأمين احتياجاتها الأساسية. ومع ارتفاع الأسعار وضعف القيمه الشراىيه للعملة، أصبحت الرواتب نفسها غير كافية لتغطية أبسط متطلبات الحياة، ما دفع الكثيرين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية أو الاعتماد على المساعدات والتحويلات الخارجية.
وفي الوقت الذي كان المواطن ينتظر فيه معالجة هذه الملفات الاقتصادية والمعيشية، تصاعدت أيضًا المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني. فرغم التحسن النسبي الذي شهدته عدن في بعض الفترات، إلا أن حوادث الاغتيالات والانفلات الأمني والجرائم الجنائية ما زالت تظهر بين الحين والآخر، لتذكر الجميع بأن الاستقرار الحقيقي لم يتحقق بعد. وتزيد هذه الأحداث من حالة القلق لدى السكان الذين يتطلعون إلى مدينة آمنة يستطيعون فيها ممارسة حياتهم الطبيعية دون خوف أو اضطراب.
ويعتقد كثير من المراقبين أن جزءًا من المشكلة يعود إلى غياب رؤية إدارية واضحة لإدارة المدينة، إضافة إلى تشابك الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة وضعف التنسيق بينها. فعدن ليست مجرد مدينة عادية يمكن إدارتها بعقلية الطوارئ أو القرارات المرتجلة، بل هي عاصمة سياسية واقتصادية تحتاج إلى مؤسسات قوية وخطط استراتيجية قادرة على معالجة التحديات المتراكمة.
كما أن استمرار الأزمات الخدمية والاقتصادية يهدد بتآكل الثقة بين المواطن والسلطة، وهي مسألة بالغة الحساسية في مدينة عانت طويلًا من الصراعات والتحولات السياسية. فالمواطن الذي صبر سنوات طويلة على الحرب والاضطرابات كان يأمل أن يرى تحسنًا ملموسًا في حياته اليومية، لكن استمرار المشكلات دون حلول حقيقية يفتح الباب أمام موجات جديدة من الاحتقان الشعبي.
ورغم كل ذلك، ما زال كثير من أبناء عدن يراهنون على إمكانية تصحيح المسار إذا توفرت الإرادة السياسية والإدارية الجادة لمعالجة هذه الملفات. فالإمكانات البشرية والاقتصادية التي تمتلكها المدينة قادرة على تحويلها إلى مركز استقرار ونمو إذا ما أحسن استغلالها ضمن رؤية واضحة وإدارة فعالة.
وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة التي يلمسها المواطن كل يوم هي أن إدارة مدينة مثل عدن لا يمكن أن تقوم على الوعود المؤجلة، بل تحتاج إلى عمل مؤسسي جاد يعيد ترتيب الأولويات ويضع مصلحة الناس فوق كل الاعتبارات. وحتى يتحقق ذلك ستظل عدن تعيش بين الأمل في الخروج من أزماتها وبين واقع يومي يذكر سكانها بأن الطريق نحو الاستقرار ما زال طويلًا ومليئًا بالتحديات.

فيديو