مضيق هرمز على حافة الانفجار وترامب الذي أصبح وحيداً هل ينجح في تشكيل تحالف دولي لتأمين شريان الطاقة

السياسة - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عاد اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث الدولية بعد دعوة أطلقها دونالد ترامب لتشكيل تحالف دولي يهدف إلى حماية الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. الدعوة التي بدت للوهلة الأولى خطوة أمنية لحماية التجارة الدولية، أثارت في الوقت نفسه سلسلة من التساؤلات حول مدى استعداد دول العالم للاستجابة لها، وحول ما إذا كان المجتمع الدولي مستعداً بالفعل للدخول في تحالف جديد لحماية الممرات البحرية في منطقة تعيش أصلاً على إيقاع التوترات المتصاعدة.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي عادي، بل هو عقدة جغرافية حساسة تربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، وتعبره يومياً ناقلات نفط تحمل ملايين البراميل من الخام المتجه إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب فيه لا ينعكس فقط على الدول المطلة عليه، بل يمتد تأثيره ليطال الاقتصاد العالمي بأسره. من هنا جاءت دعوة ترامب التي تعكس إدراكاً أمريكياً بأن أمن الطاقة العالمي مرتبط بشكل مباشر باستقرار هذا الممر البحري، خصوصاً في ظل التصعيد المتكرر بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه في السنوات الماضية من حوادث استهداف سفن أو تهديدات بإغلاق المضيق.
غير أن الاستجابة الدولية لهذه الدعوة ليست مسألة بسيطة أو مضمونة. فالدول الكبرى تنظر إلى مثل هذه التحالفات من زاوية المصالح الاستراتيجية والتوازنات السياسية المعقدة. فبالنسبة للولايات المتحدة، يمثل تشكيل تحالف دولي وسيلة لتقاسم أعباء حماية الملاحة، بدلاً من تحملها منفردة كما حدث في مراحل سابقة. أما الدول الأوروبية، فهي تدرك أهمية حماية طرق التجارة، لكنها في الوقت ذاته تحاول تجنب الانخراط في صراع مباشر قد يزيد من توتر علاقاتها مع إيران أو يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وفي آسيا، حيث تعتمد اقتصادات عملاقة مثل الصين والهند واليابان بشكل كبير على نفط الخليج، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً. فهذه الدول معنية بشكل مباشر بأمن الملاحة في مضيق هرمز، لكنها في الوقت ذاته تحرص على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع أطراف المنطقة. لذلك قد تفضل دعم مبادرات أمنية محدودة أو المشاركة في ترتيبات بحرية غير صدامية بدلاً من الانضمام إلى تحالف عسكري واسع تقوده واشنطن.
أما دول الخليج، فهي الأكثر تأثراً بأي تهديد للمضيق، لأن اقتصاداتها تعتمد بدرجة كبيرة على تصدير النفط عبره. ولهذا من المتوقع أن ترحب مبدئياً بأي جهد دولي يهدف إلى تأمين الملاحة. لكن هذه الدول تدرك أيضاً أن تحويل المضيق إلى ساحة انتشار عسكري دولي واسع قد يزيد من التوتر الإقليمي بدلاً من تخفيفه، خصوصاً إذا فُسِّر الأمر على أنه محاولة لتطويق إيران أو الضغط عليها.
وفي المقابل، تنظر إيران إلى أي تحالف عسكري في محيط المضيق باعتباره خطوة تهدد أمنها القومي، لأنها ترى نفسها لاعباً أساسياً في أمن الخليج، وترفض فكرة إدارة أمن المنطقة من خارجها. لذلك فإن أي تحالف من هذا النوع قد يواجه بردود فعل سياسية أو عسكرية تزيد من تعقيد المشهد بدلاً من تهدئته.
التاريخ القريب يوضح أن فكرة حماية الملاحة في الخليج ليست جديدة. ففي فترات سابقة شهدت المنطقة عمليات بحرية دولية لحماية السفن التجارية خلال أوقات التوتر، لكن تلك العمليات غالباً ما كانت محدودة النطاق ومرتبطة بظروف محددة. أما الدعوة الحالية فهي تبدو أوسع، لأنها تتحدث عن تحالف دولي دائم أو شبه دائم لحماية الممرات البحرية، وهو ما يعني عملياً إعادة تشكيل جزء من منظومة الأمن البحري في المنطقة.
السؤال الأهم الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كان العالم مستعداً للدخول في مثل هذاخ التحالف في ظل عالم يعيش أصلاً حالة استقطاب متزايدة بين القوى الكبرى. فالتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين يجعل من الصعب أحياناً بناء تحالفات دولية واسعة خارج إطار المصالح المتقاطعة. ولذلك قد نشهد في نهاية المطاف شكلاً من أشكال التعاون البحري المحدود بدلاً من تحالف عالمي واسع كما يتصوره البعض.
ومع ذلك، يبقى أمن الممرات البحرية قضية لا يمكن لأي دولة أن تتجاهلها، لأن الاقتصاد العالمي يعتمد على حرية الملاحة بشكل أساسي. ولهذا فإن الدعوة التي أطلقها ترامب، سواء نجحت في تشكيل تحالف واسع أو تحولت إلى مجرد نقاش دولي، أعادت تسليط الضوء على حقيقة ثابتة في الجغرافيا السياسية: أن المضائق البحرية الضيقة قد تكون في بعض الأحيان مفاتيح الاستقرار أو بؤر التوتر في العالم.
وبين حسابات القوى الكبرى ومخاوف الدول الإقليمية، يظل مضيق هرمز نقطة اختبار حقيقية لقدرة المجتمع الدولي على التوازن بين حماية التجارة العالمية وتجنب إشعال صراعات جديدة في منطقة تعد أصلاً من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيداً. وفي هذا المشهد المتشابك، يبدو أن مستقبل التحالف الذي دعا إليه ترامب لن تحدده الكلمات وحدها، بل ستحدده موازين القوة ومصالح الدول وطبيعة التوترات التي قد تشهدها المنطقة في المرحلة المقبلة.

فيديو