حين يشتعل لهب النيران الأمريكي … هل يتفكك الداخل الإيراني أم يلتف حول راية واحدة

السياسة - منذ ساعتان

عين الجنوب ||خاص:
في كل مرة تتصاعد فيها حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يعود السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحًا: هل تفتح الحرب الباب أمام انفجار داخلي في إيران، أم أنها على العكس تعيد إنتاج لحظة تماسك وطني تتجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية؟ الإجابة ليست بسيطة، بل تتشكل عند تقاطع التاريخ والسياسة وعلم النفس الجمعي، حيث تتداخل حسابات السلطة مع مزاج الشارع، وتتصادم رغبات التغيير مع غريزة البقاء.
منذ الثورة الإيرانية، لم تكن العلاقة بين الدولة والمجتمع في إيران مستقرة تمامًا. فهناك تيارات إصلاحية، وحركات احتجاجية، وأصوات معارضة ظهرت في محطات متعددة، أبرزها الحركة الخضراء، ثم موجات الاحتجاج الاقتصادية والاجتماعية في السنوات الأخيرة. هذه الخلفية تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن أي مواجهة عسكرية مع الخارج قد تكون فرصة تاريخية لانفجار داخلي واسع. لكن الواقع غالبًا ما يسير في اتجاه مختلف.
عند التهديد الخارجي، تميل المجتمعات – وليس إيران فقط – إلى ما يعرف في علم السياسة بـ"الالتفاف حول العلم"، حيث تتراجع الخلافات الداخلية لصالح الشعور بالخطر المشترك. في الحالة الإيرانية، يتعزز هذا الميل بعوامل متعددة؛ منها الذاكرة التاريخية للحرب مع العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، والتي شكلت وجدانًا جمعيًا قائمًا على الصمود في وجه التهديدات. تلك الحرب لم تُسقط النظام رغم كلفتها الهائلة، بل عززت من تماسكه وأعادت تعريف الوطنية الإيرانية في سياق المواجهة.
اليوم، ومع تصاعد التوتر مع واشنطن، يظهر نمط مشابه وإن كان أكثر تعقيدًا. فالمعارضة الإيرانية موجودة، لكنها ليست كتلة واحدة متجانسة، بل فسيفساء من التيارات: إصلاحيون داخل النظام، معارضون في الخارج، حركات شبابية غاضبة، وأقليات لها مطالبها الخاصة. هذه التعددية تجعل من الصعب توحيد خطاب معارض قادر على استثمار لحظة الحرب لصالحه. بل إن بعض أطراف المعارضة تجد نفسها في موقف حرج، إذ أن أي تقاطع مع خصم خارجي قد يُفقدها شرعيتها داخل الشارع.
في المقابل، تستثمر السلطة في طهران هذه اللحظات لتعزيز خطاب السيادة ومقاومة "الهيمنة"، مقدمة نفسها كحامية للوطن في وجه تهديد خارجي. هذا الخطاب، رغم الانتقادات الداخلية، يجد صدى لدى شريحة من الإيرانيين الذين قد يختلفون مع الحكومة، لكنهم يرفضون فكرة التدخل الخارجي أو فرض التغيير بالقوة.
غير أن هذا التماسك ليس مطلقًا ولا دائمًا. فالحروب، حتى وإن بدأت بوحدة داخلية، تترك آثارًا اقتصادية واجتماعية عميقة. العقوبات، تراجع العملة، ارتفاع الأسعار، والضغوط المعيشية، كلها عوامل يمكن أن تعيد إحياء الغضب الشعبي، لكن غالبًا بعد انحسار التهديد المباشر. هنا تحديدًا، تظهر المعارضة بشكل أكثر وضوحًا، ليس كحركة ثورية فجائية، بل كحالة تراكمية تتغذى من الإحباط اليومي.
اللافت أن الجيل الإيراني الشاب، الذي لم يعش الحرب العراقية الإيرانية، ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة. هذا الجيل أقل ارتباطًا بالسرديات الثورية التقليدية، وأكثر حساسية لقضايا الحريات والاقتصاد والانفتاح على العالم. ومع ذلك، فإن حتى هذا الجيل قد يجد نفسه – في لحظة الخطر الخارجي – منجذبًا إلى خطاب الدفاع عن الوطن، ولو بشكل مؤقت.
في المحصلة، لا تُنتج المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران نتيجة واحدة ثابتة داخل إيران. فهي لا تُسقط المعارضة، ولا تُفجرها بالضرورة، بل تعيد تشكيلها. في لحظة الحرب، يتقدم منطق الدولة والوطن، وتتراجع الانقسامات. أما بعد الحرب أو مع طول أمدها، فقد تعود الأسئلة المؤجلة إلى السطح بقوة أكبر.
هكذا تبدو إيران في مرآة الصراع: مجتمع يحمل داخله بذور التغيير، لكنه أيضًا يمتلك قدرة عالية على التماسك حين يشعر أن الخطر يأتي من الخارج. وبين هذين الحدّين، تتحدد ملامح المستقبل، ليس فقط بنتيجة الحرب، بل بكيفية إدارتها داخليًا، وبقدرة الإيرانيين على الموازنة بين رفضهم لبعض سياسات دولتهم، وتمسكهم بوطنهم في وجه التحديات.

فيديو