حين يتكلم الشارع الجنوبي بصوت مليون… لا مكان للتأجيل ولا هامش للصمت

الجنوب - منذ 1 ساعة

خاص|| عين الجنوب :
في لحظات التحولات الكبرى، لا تعود الحشود مجرد مشهد جماهيري عابر، بل تتحول إلى لغة سياسية قائمة بذاتها، تُكتب بها المواقف وتُرسم من خلالها ملامح المرحلة. وفي الجنوب، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع الضغوط الإقليمية، تبرز “المليونيات” كأداة تعبير لا تحتمل التأجيل، بل كضرورة تفرضها طبيعة الصراع وتعقيداته. فالقضية التي بقيت حاضرة في الوجدان الشعبي لعقود، لا يمكن أن تُدار فقط عبر الغرف المغلقة أو البيانات السياسية، بل تحتاج إلى حضور شعبي كثيف يعيد تثبيت حقيقتها على الأرض.
الحشود ليست مجرد أرقام، بل رسائل متعددة الاتجاهات؛ إلى الداخل أولاً لتأكيد وحدة الصف وتماسك الجبهة، وإلى الخارج لتذكير الفاعلين الإقليميين والدوليين بأن الجنوب ليس فراغاً سياسياً يمكن إعادة تشكيله وفق المصالح، بل واقع حي له إرادة شعبية واضحة. وفي ظل محاولات إعادة ترتيب المشهد اليمني، كثيراً ما يتم التعامل مع الجنوب كملف قابل للتفاوض أو التكييف، وهنا تحديداً تتعاظم أهمية الحضور الجماهيري كعامل موازن يعيد تصحيح المعادلة.
إن أي تأجيل لمثل هذه الفعاليات في لحظة حساسة، قد يُفسَّر على أنه تراجع أو ارتباك، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات قد لا تخدم القضية ولا تعكس حقيقة المزاج الشعبي. فالتوقيت هنا ليس تفصيلاً، بل عنصر حاسم في توجيه الرسائل. حين تتصاعد التحركات السياسية، وتُعقد اللقاءات والحوارات في العواصم، يصبح من الضروري أن يقابل ذلك حراك ميداني يعكس أن القرار ليس معزولاً عن الشارع.
كما أن المليونيات تُسهم في إعادة ترتيب الأولويات داخلياً، فهي ليست فقط موجَّهة للخارج، بل تحمل في طياتها دعوة ضمنية لكل القوى الجنوبية لمراجعة حساباتها، وتغليب القواسم المشتركة على الخلافات. فالمشهد المليوني حين يتشكل، يذيب الكثير من التباينات، ويخلق حالة من الاصطفاف يصعب تجاهلها أو القفز عليها.
وفي سياق الصراع الممتد، أثبتت التجارب أن القضايا التي تفقد زخمها الشعبي، تتراجع تدريجياً على طاولة الاهتمام الدولي، مهما كانت عدالتها. لذلك فإن الحفاظ على هذا الزخم ليس ترفاً، بل شرط أساسي لاستمرار الحضور السياسي. الحشود هنا لا تُقاس فقط بكثافتها، بل باستمراريتها وقدرتها على فرض نفسها كعنصر ثابت في المعادلة.
إن الجنوب، وهو يواجه لحظة مفصلية، لا يملك رفاهية الانتظار أو تأجيل أدواته السلمية في التعبير. فالمليونيات ليست خياراً ثانوياً يمكن اللجوء إليه لاحقاً، بل هي جزء من معركة الوعي وإثبات الوجود. وفي زمن تتغير فيه المواقف بسرعة، يبقى الصوت الجماهيري الصادق هو الأكثر ثباتاً وقدرة على اختراق الضجيج، شرط أن يُعبَّر عنه في الوقت المناسب، وبالشكل الذي يليق بقضية بحجم وطن.

فيديو