تصريحات تُشعل الجنوب… حين تتحول المؤسسة العسكرية إلى ساحة صراع وهوية

تقارير - منذ ساعتان

خاص|عين الجنوب                  

في لحظة سياسية حساسة تعيشها البلاد، أعادت تصريحات وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي فتح جرح قديم لم يندمل، جرح التمييز والإقصاء داخل المؤسسة العسكرية، وهو الملف الذي ظل لعقود أحد أبرز أسباب فقدان الثقة بين المكونات الوطنية، خاصة في الجنوب. لم تكن هذه التصريحات مجرد موقف عابر أو قراءة خاطئة للواقع، بل بدت – في نظر كثيرين – وكأنها إعادة إنتاج لسياسات ماضية أثبتت فشلها، وأشعلت أزمات لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
الجدل الذي أثارته تصريحات العقيلي لم يتوقف عند حدود التصحيح أو النفي، بل تحوّل إلى موجة غضب واسعة، خصوصاً مع تناقض ما قيل مع معطيات ميدانية ووثائق رسمية تؤكد وجود أبناء حضرموت ضمن التشكيلات العسكرية التي تم الحديث عنها. هذا التناقض لم يُقرأ كخطأ معلوماتي بقدر ما فُسِّر باعتباره مؤشراً على خلل أعمق في طريقة إدارة الملف العسكري، وربما توجهاً لإعادة رسم ملامح النفوذ داخل مناطق حساسة واستراتيجية.
ما زاد من حدة التوتر هو الشعور المتنامي بازدواجية المعايير، حيث يُعاد توصيف بعض القوات وفق اعتبارات سياسية، بينما يتم التشكيك في قوات أخرى كان لها دور فعلي في محاربة الإرهاب وتحرير الأرض. هذه المفارقة فتحت الباب أمام تساؤلات صعبة: هل باتت الهوية العسكرية تُحدد وفق الولاءات لا وفق التضحيات؟ وهل تحوّل شعار “تمكين أبناء المناطق” إلى أداة انتقائية تُستخدم عند الحاجة فقط؟
في خلفية هذا المشهد، تبرز حضرموت كجغرافيا ثقيلة بالثروات والأهمية الاستراتيجية، ما يجعلها ساحة تنافس غير معلن بين مشاريع نفوذ متعددة. ومن هنا، يرى مراقبون أن ما يجري لا يمكن فصله عن صراع أوسع يتجاوز حدود التصريحات، ليصل إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المحافظة، بما يخدم أجندات سياسية إقليمية ومحلية.
لكن الأخطر من كل ذلك هو التحول الذي تعيشه بعض القوات التي كانت بالأمس القريب في صدارة المواجهة ضد الإرهاب، لتجد نفسها اليوم في موقع التهميش أو الإقصاء، سواء عبر قطع الرواتب أو محاولات الإبعاد من المشهد. هذا التحول لا يمس فقط هذه القوات، بل يضرب في العمق مفهوم العدالة المؤسسية، ويبعث برسائل سلبية لكل من قدّم تضحيات في سبيل الاستقرار.
الخطاب الانتقادي الذي تصاعد عقب هذه التصريحات لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل حمل في طياته تحذيرات جدية من تداعيات الاستمرار في هذا النهج، خصوصاً في ظل وضع أمني هش، حيث لا تزال بعض المناطق مهددة بعودة الجماعات المتطرفة. إضعاف القوى التي لعبت دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب قد يفتح الباب أمام فراغ أمني خطير، قد تكون كلفته باهظة على الجميع.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى القيادات السياسية والعسكرية، يبرز سؤال محوري: هل سيتم التعامل مع هذه الأزمة كفرصة لمراجعة السياسات وتصحيح المسار، أم أنها ستُضاف إلى سجل الأزمات التي تم ترحيلها دون حلول حقيقية؟ الصمت أو التبرير قد لا يكونان كافيين هذه المرة، في ظل وعي متزايد لدى الشارع، ورفض واضح لأي محاولات لإعادة إنتاج الماضي.
ما كشفته الوثائق التي نشرتها بعض الوسائل الإعلامية أعاد التأكيد على أهمية الشفافية، وضرورة أن تستند التصريحات الرسمية إلى حقائق دقيقة، خاصة في القضايا الحساسة التي تمس وحدة المؤسسة العسكرية. فالمصداقية لم تعد خياراً، بل شرطاً أساسياً للحفاظ على ما تبقى من ثقة.
في المحصلة، لا تبدو هذه الأزمة مجرد خلاف عابر، بل مؤشر على عمق التحديات التي تواجه بناء مؤسسة عسكرية وطنية قائمة على الكفاءة والشراكة. وإذا لم يتم التعامل معها بجدية ومسؤولية، فقد تتحول إلى شرارة جديدة تعمّق الانقسام، وتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، في وقت لا يحتمل فيه الوطن مزيداً من الأزمات.

فيديو