الحوار الميت… حين يُصاغ مستقبل الجنوب خارج إرادته

تقارير - منذ 4 ساعات

خاص|عين الجنوب                   

في لحظة تبدو فيها المنطقة بأمسّ الحاجة إلى مقاربات سياسية واقعية تعالج جذور الأزمات لا مظاهرها، يطفو على السطح مجددًا حديث عن حوار جنوبي يُعقد خارج حدود الجنوب، وتحديدًا في الرياض، في خطوة تثير كثيرًا من التساؤلات حول جدواها، وسقفها الحقيقي، ومدى قدرتها على إنتاج حلول قابلة للحياة. فالحوار، في جوهره، ليس مجرد لقاء سياسي أو مشهد بروتوكولي، بل عملية عميقة ترتبط بالإرادة والهوية والسياق، وهي عناصر يصعب توفرها حين يُنقل الحوار من أرضه الطبيعية إلى بيئة تحمل حسابات مختلفة وربما متعارضة.
تبدو الإشكالية الأساسية في هذا الطرح أن أي حوار جنوبي حقيقي، إذا كُتب له النجاح، لا يمكن أن يتجاوز حقيقة أن سقفه الطبيعي يتمثل في التعبير عن تطلعات الشارع الجنوبي، والتي يدور جزء كبير منها حول استعادة الدولة وتقرير المصير. وهذه النتيجة المحتملة تتصادم بشكل مباشر مع مشاريع إقليمية أكبر تسعى للحفاظ على صيغة يمنية موحدة، وهو ما يجعل من فكرة الحوار في حد ذاتها، عندما تُدار ضمن هذه التناقضات، أقرب إلى محاولة احتواء سياسي منها إلى مسار حل فعلي.
ومن زاوية أخرى، فإن مكان انعقاد الحوار ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر جوهري في تشكيل مخرجاته. فالحوار الذي يُفترض أن يمثل هوية شعب وقضية وطن، يفقد جزءًا كبيرًا من معناه عندما يُعقد خارج بيئته الاجتماعية والسياسية. الجنوب، بما يحمله من رمزية تاريخية وسياسية، ليس مجرد جغرافيا، بل فضاء معنوي يُفترض أن يحتضن أي نقاش يتعلق بمستقبله. وعليه، فإن نقل الحوار إلى خارج هذا الفضاء يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية القرار، وحدود التأثير الخارجي على مساره ونتائجه.
الأمر لا يقف عند حدود المكان، بل يمتد إلى طبيعة الدولة الراعية لهذا الحوار. فعندما تكون الدولة المستضيفة طرفًا فاعلًا في المشهد السياسي، ولها حضور وتأثير مباشر في ملفات الجنوب واليمن عمومًا، فإن فكرة الحياد تصبح محل شك. وهذا لا يعني بالضرورة رفض أي دور إقليمي، لكنه يفرض ضرورة إعادة تعريف هذا الدور ليكون داعمًا لا موجّهًا، ومسهّلًا لا مقرّرًا.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن أي حوار لا ينطلق من الداخل الجنوبي، ولا يُبنى على إرادة جنوبية خالصة، سيظل معرضًا للفشل أو على الأقل لإنتاج حلول هشة لا تصمد أمام تعقيدات الواقع. فالحوار الحقيقي لا يُفرض من الخارج، ولا يُدار وفق أجندات غير محلية، بل يُبنى من القاعدة، حيث تتشكل القناعات، وتُصاغ التوافقات، وتُرسم ملامح المستقبل.
وإذا كانت هناك تحديات أمنية أو لوجستية تحول دون انعقاد الحوار داخل الجنوب، فإن البديل المنطقي لا يكون في نقله إلى طرف ذي مصلحة مباشرة، بل في البحث عن فضاء محايد، دولة لا تحمل أجندة سياسية في هذا الملف، ولا تسعى لتوجيه نتائجه، بل تكتفي بتوفير منصة آمنة ومتوازنة للنقاش. فالتجارب السياسية أثبتت أن الحوارات التي تُعقد في بيئات محايدة تكون أكثر قدرة على إنتاج تسويات حقيقية، لأنها تتيح للأطراف التعبير بحرية بعيدًا عن الضغوط.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في فكرة الحوار بحد ذاتها، بل في الكيفية التي يُدار بها، والبيئة التي يُعقد فيها، والأهداف التي يُراد له تحقيقها. فحين يتحول الحوار إلى أداة لتمرير رؤى مسبقة، يفقد معناه، ويصبح مجرد إجراء شكلي لا يغيّر من الواقع شيئًا. أما حين يُبنى على أسس واضحة من الاستقلالية والاحترام المتبادل والاعتراف بالحقائق على الأرض، فإنه يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية نحو حل مستدام.
وبين هذين المسارين، يقف الجنوب اليوم أمام اختبار جديد: إما أن يُفرض عليه حوار لا يعكس إرادته، أو أن يُعاد الاعتبار لفكرة الحوار كحق أصيل يُدار من الداخل، ويُعبّر عن هوية شعب يسعى لتحديد مستقبله بنفسه.

فيديو