الجنوب بين وعود الرياض وواقع الانهيار

تقارير - منذ 55 دقيقة

خاص |عين الجنوب 

 

منذ سنوات، يُدفع الجنوب إلى مسارات سياسية وإعلامية متشابكة تحت عناوين كثيرة؛ مرة باسم “إعادة ترتيب الشرعية”، ومرة تحت شعار “الحوار الشامل”، ومرة عبر مشاريع الحكم الذاتي أو الوعود الاقتصادية والتنموية. لكن النتيجة التي يراها المواطن اليوم على الأرض تبدو مختلفة تمامًا عن كل ما رُوّج له.
فلا كهرباء عادت إلى عدن، ولا الخدمات تحسنت في حضرموت، ولا الأزمات المعيشية انتهت، بل إن المشهد يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر، وسط حالة من الإرباك السياسي والانهيار الاقتصادي الذي يضغط على الناس بصورة غير مسبوقة.
الشارع الجنوبي الذي انتظر حلولًا حقيقية، وجد نفسه أمام واقع أكثر قسوة؛ ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، انهيار متواصل للعملة، تراجع الخدمات الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، في وقت ما تزال فيه القوى السياسية منشغلة بصراعات النفوذ وإعادة تدوير الأزمات بدلًا من معالجتها.
الأكثر لفتًا للانتباه أن كثيرًا من المشاريع التي جرى الترويج لها إعلاميًا لم تتحول إلى واقع. فلا “الحوار الجنوبي الجنوبي” الذي قيل إنه سيُطلق من الرياض ظهر بصورة جدية حتى الآن، ولا المشاريع السياسية الكبرى التي تحدثت عن إعادة تشكيل الجنوب أو إنتاج كيانات جديدة نجحت في تقديم أي نموذج قابل للحياة أو قادر على طمأنة الناس.
حتى الخطاب الذي ظل يحمّل المجلس الانتقالي مسؤولية “نهب المليارات” بدا مرتبكًا أمام الرأي العام، إذ لم تظهر تلك الموارد الموعودة بعد تقليص نفوذه في بعض الملفات، ولم تنعكس أي “إصلاحات” على حياة المواطنين، بل استمرت الأزمات بالوتيرة نفسها، وربما بصورة أشد.
هذا الواقع دفع كثيرين إلى التساؤل: إذا كانت المشكلة في طرف واحد كما كان يُقال، فلماذا لم تتغير الأوضاع بعد كل هذه التحولات؟ ولماذا بقيت الخدمات منهارة، والاقتصاد يزداد سوءًا، والناس تغرق أكثر في المعاناة؟
يرى مراقبون أن الأزمة الحقيقية لم تعد مرتبطة بأشخاص أو مكونات بعينها، بل بطبيعة المسار السياسي نفسه، الذي بدا خلال السنوات الأخيرة وكأنه يركز على إدارة التوازنات والصراعات أكثر من تركيزه على بناء مؤسسات مستقرة أو تقديم حلول اقتصادية ومعيشية حقيقية.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد المخاوف من أن يتحول الجنوب إلى ساحة مفتوحة للفوضى السياسية والاقتصادية، خصوصًا مع استمرار تعطيل الملفات الخدمية الحساسة، واستخدام الأزمات المعيشية كورقة ضغط ضمن حسابات إقليمية وسياسية معقدة.
الكثير من الجنوبيين اليوم لا يبحثون عن خطابات جديدة أو وعود إضافية، بل عن إجابات واضحة: أين ذهبت سنوات الوعود؟ ولماذا لم تتحقق أي انفراجة حقيقية رغم كل التغييرات والتحالفات والمسارات التي فُرضت على الأرض؟
فالناس في النهاية تقيس النجاح بما تراه في حياتها اليومية، لا بما يُقال في التصريحات والبيانات. وعندما تبقى الكهرباء غائبة، والرواتب منهكة، والخدمات متدهورة، فإن أي مشروع سياسي يفقد قدرته على إقناع الشارع مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
وبينما يتسع الغضب الشعبي وتتزايد حالة الإحباط، يبدو الجنوب اليوم أمام لحظة حساسة تتطلب مراجعة شاملة لكل المسارات التي أُدير بها الملف خلال السنوات الماضية، لأن استمرار النهج نفسه قد لا يقود إلا إلى مزيد من الانهيار والتفكك، في وقت يحتاج فيه الناس إلى الاستقرار والحلول لا إلى إنتاج أزمات جديدة.

فيديو