تحليل : كيف تُدار سياسة التفكيك عبر الكيانات

دراسات وتحليلات - منذ 1 ساعة

خاص| عين الجنوب                 


في الوقت الذي يحاول فيه الجنوبيون ترميم جراح الحرب وبناء حالة من التماسك السياسي والاجتماعي، تتصاعد على نحو لافت محاولات إعادة إنتاج الصراعات القديمة وإحياء الثارات القبلية والمناطقية داخل الجنوب، في مشهد يرى فيه مراقبون أنه ليس عفويًا ولا منفصلًا عن صراع النفوذ الإقليمي الدائر في اليمن عمومًا والجنوب خصوصًا.
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت عشرات التشكيلات والكيانات التي تحمل عناوين متعددة، بعضها مناطقي، وبعضها قبلي، وأخرى سياسية أو عسكرية، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو حالة التشظي التي خلقتها داخل المجتمع الجنوبي. وبدلًا من توجيه الطاقات نحو تثبيت الأمن والاستقرار، تحوّلت بعض هذه الكيانات إلى أدوات تعبئة وتحريض، تستحضر خطاب الثأر والكراهية والانقسام، وتعيد فتح ملفات صراعات تجاوزها الناس منذ سنوات.
ويرى متابعون أن السياسة السعودية في اليمن اعتمدت منذ البداية على مبدأ “إدارة التوازنات عبر التفكيك”، بحيث لا يُسمح بظهور قوة جنوبية موحدة تمتلك قرارها السياسي والعسكري بصورة مستقلة. ولذلك جرى، بحسب مراقبين، تشجيع إنشاء مراكز نفوذ متعددة ومتناقضة، بعضها يقوم على الولاءات القبلية، وأخرى على المصالح المالية والعسكرية، بما يضمن بقاء الجنوب ساحة مفتوحة للاستنزاف والصراع الداخلي.
ويشير سياسيون جنوبيون إلى أن أخطر ما تواجهه القضية الجنوبية اليوم ليس المواجهة العسكرية المباشرة، بل محاولات تفجير المجتمع من الداخل عبر تغذية الانقسامات القبلية والمناطقية. فكلما اقترب الجنوب من حالة اصطفاف سياسي موحد، ظهرت فجأة حملات إعلامية وخطابات تحريضية تستدعي الماضي وتعيد إنتاج الخصومات القديمة، وكأن هناك من يخشى أي حالة توافق جنوبي حقيقي.
وتبرز في هذا السياق اتهامات متزايدة لدور المال السياسي في شراء الولاءات وتمويل شخصيات وقوى تعمل على تعميق الانقسام، سواء عبر الإعلام أو من خلال تشكيل جماعات مسلحة ذات طابع مناطقي وقبلي. ويقول مراقبون إن هذه السياسة لا تهدف فقط إلى إضعاف الجنوب سياسيًا، بل أيضًا إلى إبقائه غارقًا في نزاعات داخلية تمنعه من امتلاك قرار مستقل أو بناء مؤسسات قوية.
كما أن إعادة تدوير الثارات القبلية تُعد، وفق محللين، واحدة من أخطر الأدوات المستخدمة لضرب النسيج الاجتماعي الجنوبي. فالقبيلة التي كانت تاريخيًا عنصر حماية وتماسك، يجري اليوم دفعها نحو التحول إلى أداة صراع سياسي، عبر استغلال الحوادث الفردية وتأجيجها إعلاميًا وتحويلها إلى معارك جماعية تهدد السلم الأهلي.
ويؤكد ناشطون أن الجنوب دفع ثمنًا باهظًا خلال العقود الماضية نتيجة الصراعات البينية، وأن إعادة إنتاج تلك المراحل السوداء لن تخدم سوى القوى التي تريد إبقاء الجنوب ضعيفًا وممزقًا. ولذلك تتزايد الدعوات اليوم إلى تحصين المجتمع من خطاب الفتنة، ورفض أي مشاريع تقوم على تقسيم الناس إلى معسكرات متناحرة وفق الهوية المناطقية أو القبلية.
ويرى مراقبون أن مستقبل الجنوب لن يُبنى عبر الكيانات المتصارعة ولا عبر إحياء الثارات، بل من خلال مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع، ويحافظ على النسيج الاجتماعي، ويمنع تحويل القبيلة والمنطقة إلى وقود لصراعات سياسية تخدم أجندات خارجية أكثر مما تخدم أبناء الجنوب أنفسهم.

فيديو