اموال الدفع المسبق تتبخر على أسوار الجنوب.. والشارع يحسم المعركة بإرادته

السياسة - منذ 5 ساعات

عدن ، عين الجنوب ||خاص

 منذ أشهر طويلة، دفعت جهات نافذة في المملكة العربية السعودية بكل ما تملك من أدوات إعلامية وسياسية في محاولة لإعادة تشكيل المشهد الجنوبي وفق رؤية تخدم مصالحها وتوجهاتها. جرى استدعاء عشرات الإعلاميين والناشطين إلى الرياض، وفتحت قنوات تمويل واسعة، وأُطلقت منصات إعلامية جديدة، فيما جرى ضخ ملايين الريالات في حملات دعائية مكثفة استهدفت المجلس الانتقالي الجنوبي بشكل مباشر، على أمل إضعاف حضوره السياسي وعزله عن قاعدته الشعبية التي تشكلت عبر سنوات من النضال والتضحيات.
ولم تقتصر هذه الجهود على الحملات الإعلامية التقليدية، بل امتدت إلى إنشاء مشاريع إعلامية جديدة بالكامل، كان أبرزها إطلاق قناة تحمل اسم "الجنوب"، إضافة إلى استقطاب كوادر إعلامية وفنية وإدارية للعمل ضمن منظومة إعلامية أُريد لها أن تكون رأس حربة في معركة التأثير على الرأي العام الجنوبي. كما تم تسخير منصات إلكترونية وصفحات ومراكز إعلامية مختلفة لتكرار خطاب سياسي يستهدف التشكيك بالمجلس الانتقالي وقيادته وخياراته الوطنية.
لكن بعد مرور أكثر من ستة أشهر على هذه الحملة الواسعة، تبدو النتائج على الأرض مختلفة تمامًا عما كان يُخطط له. فالمجلس الانتقالي الجنوبي ما يزال حاضرًا في المشهد السياسي والشعبي، ولم تظهر أي مؤشرات حقيقية على انهيار حاضنته الشعبية أو تراجع مكانته داخل الشارع الجنوبي. وعلى العكس من ذلك، فإن حالة الالتفاف الشعبي حول القضية الجنوبية لا تزال قائمة، بل إن كثيرًا من المراقبين يرون أن حملات الاستهداف المتواصلة أسهمت في تعزيز القناعة لدى قطاعات واسعة من المواطنين بأن هناك محاولات خارجية للتأثير على إرادتهم السياسية.
اللافت أن التأثير الفعلي لهذه الأموال الضخمة لم يتجاوز في كثير من الأحيان دائرة المستفيدين المباشرين من برامج التمويل والاستقطاب. أما الشارع الجنوبي، الذي يعيش يوميًا أزمات اقتصادية وخدمية خانقة، فقد ظل ينظر إلى قضيته الوطنية من زاوية مختلفة لا يمكن تغييرها عبر الحملات الإعلامية أو الإغراءات المالية. فالقضايا المرتبطة بالهوية والانتماء والمصير السياسي لا تُقاس بمنطق الصفقات المؤقتة، بل تتشكل عبر تراكم طويل من التجارب والأحداث والمواقف.
وقد جاءت المشاهد التي شهدتها مختلف مدن الجنوب مؤخرًا لتؤكد هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحًا. فمن المهرة شرقًا إلى عدن ولحج والضالع وأبين وحضرموت، برزت مظاهر احتفالية وتفاعلات شعبية واسعة عكست حالة من المزاج الشعبي الذي لا يزال يحتفظ بموقفه الخاص تجاه القضايا السياسية والإقليمية. ورأى كثير من المتابعين أن هذه المشاهد تحمل رسائل سياسية غير مباشرة تؤكد أن المزاج العام في الجنوب لا يمكن توجيهه أو التحكم به من الخارج مهما بلغت الإمكانات المالية والإعلامية المستخدمة.
إن التجربة أثبتت مرة أخرى أن الشعوب تمتلك قدرة كبيرة على التمييز بين الحملات المصطنعة وبين القناعات الراسخة التي تتشكل من واقعها وتجاربها. كما أثبتت أن الإنفاق المالي الهائل لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية المرجوة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا يعتبرها الناس جزءًا من هويتهم ومستقبلهم.
واليوم، وبعد أشهر من الحملات المكثفة والإنفاق السخي والرهان على تغيير المزاج الشعبي الجنوبي، تبدو الحاجة ملحة لإجراء مراجعة حقيقية للسياسات التي بُنيت على فرضية إمكانية شراء المواقف أو إعادة هندسة القناعات الوطنية عبر المال والإعلام. فالوقائع الميدانية تشير بوضوح إلى أن الشعوب قد تعاني من الأزمات والظروف الصعبة، لكنها لا تتخلى بسهولة عن القضايا التي تؤمن بها، ولا تسمح بتحويل إرادتها إلى سلعة قابلة للبيع والشراء.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأبرز التي تفرضها التطورات على الأرض أن إرادة الشعوب أقوى من الحملات المنظمة، وأن القضايا الوطنية لا تُهزم بالمال، ولا تُختزل في نشرات الأخبار والبرامج السياسية، بل تبقى حية ما دام هناك شعب يؤمن بها ويتمسك بها مهما تعددت الضغوط وتنوعت أدوات التأثير.

فيديو