صرخة من الرياض لا عودة إلى الصفر.. والجنوب ليس ساحة لتصفية الحسابات وسياسات الفشل

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب|| خاص :
في لحظة سياسية شديدة الحساسية، ومع تصاعد التعقيدات التي تحاصر المشهد السياسي بمختلف مساراته، خرج الدكتور عبدالناصر الوالي، القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي، برؤية سياسية بدت أشبه بجرس إنذار مبكر ورسالة تحذير مباشرة إلى القوى المنخرطة في إدارة الأزمة. من مقر إقامته المؤقت في العاصمة السعودية الرياض، أطلق الوالي بياناً سياسياً لافتاً حمل بين سطوره مزيجاً من النقد الصريح والدعوة إلى التعقل، مؤكداً أن ما تشهده المرحلة الراهنة لم يعد يحتمل المزيد من المناورات أو تجاهل التحولات الكبرى التي فرضها الجنوب على الأرض خلال السنوات العشر الماضية.
الوالي لم يتحدث هذه المرة بلغة المجاملة السياسية أو الخطاب الدبلوماسي المعتاد، بل اختار أن يضع الجميع أمام سؤال صادم ومباشر حين قال: "أليس منكم رجل رشيد؟"، في إشارة واضحة إلى حجم الانسداد الذي يضرب المشهد، وإلى ما يراه استمراراً لنهج سياسي فاشل قائم على تجاهل الوقائع، ومحاولة القفز فوق المتغيرات التي أعادت رسم موازين القوى في الجنوب. فبحسب رؤيته، لم يعد ممكناً التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد هامش في معادلة اليمن، أو كملف قابل للتأجيل والمساومة، بعد أن تشكل فيه واقع سياسي وأمني وعسكري وإداري جديد على مدى عقد كامل، وبات هذا الواقع جزءاً من المعادلة التي لا يمكن نسفها أو إعادتها إلى نقطة البداية.
وفي واحدة من أكثر النقاط وضوحاً في بيانه، شدد الوالي على أن الجنوب ليس طرفاً في صراع عبثي مفتوح، ولا ساحة لتصفية حسابات قوى فشلت في إدارة الدولة أو في حسم معاركها الخاصة، بل هو صاحب قضية سياسية واضحة ومشروع وطني يسعى إلى تثبيت واقعه والدفاع عن حقه في تقرير مستقبله. ومن هنا، بدا تحذيره من الاستمرار في تجاهل ما تحقق على الأرض بمثابة رسالة سياسية مزدوجة: الأولى موجهة إلى القوى الشمالية التي ما زالت، بحسب توصيفه، تتعامل مع الجنوب بعقلية الوصاية ومحاولات الالتفاف، والثانية إلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف اليمني، بأن أي تسوية تتجاوز هذه الحقائق لن تنتج سوى مزيد من الانفجار.
وفي مقاربته للمسار الجنوبي الداخلي، لم يكتف الوالي بتوصيف الأزمة أو إطلاق التحذيرات، بل حاول أن يقدم تصوراً عملياً لما يمكن أن يشكل مخرجاً سياسياً من حالة التباين والتشظي داخل البيت الجنوبي. فقد دعا بوضوح إلى تعزيز الحوار الوطني الجنوبي، ليس باعتباره ترفاً سياسياً أو عنواناً إعلامياً، بل كخيار ضرورة لإعادة ترتيب الصف الجنوبي وبناء توافق حقيقي حول شكل الدولة الجنوبية القادمة ونظامها السياسي وآليات إدارتها. وفي هذا السياق، طرح مقترحاً لافتاً يقوم على تشكيل قيادة جنوبية توافقية لفترة انتقالية تمتد لعامين، تتولى إدارة المرحلة والتحضير لانتخابات حرة وشفافة عبر صناديق الاقتراع، بما يضمن انتقالاً منظماً ويمنع انزلاق الجنوب إلى صراعات داخلية تستنزف رصيده السياسي والشعبي.
هذا الطرح لا يمكن فصله عن إدراك متزايد داخل الأوساط الجنوبية بأن التحدي لم يعد مقتصراً على مواجهة الخصوم أو انتزاع الاعتراف بالقضية الجنوبية، بل يمتد أيضاً إلى كيفية بناء نموذج سياسي قادر على إدارة التعدد داخل الجنوب نفسه، وتحويل التنوع الجغرافي والسياسي إلى عنصر قوة لا إلى بوابة صراع. ومن هنا، فإن حديث الوالي عن قيادة توافقية وانتخابات قادمة يعكس محاولة لوضع أسس أكثر صلابة للمرحلة المقبلة، تقوم على الشراكة لا الإقصاء، وعلى التوافق المرحلي الذي يسبق الاحتكام الشعبي.
أما في ما يتعلق بالعلاقة مع القوى الشمالية، فقد حمل خطاب الوالي قدراً كبيراً من الرسائل السياسية المركبة. فهو من جهة دعا إلى التهدئة وتخفيف حدة الاشتباك السياسي والإعلامي، ومن جهة أخرى وجّه انتقاداً واضحاً للقوى الشمالية المسيطرة على ما يسمى بالشرعية، معتبراً أن انشغالها بمحاربة الجنوب أو الالتفاف على قضيته يمثل هدراً للوقت والجهد، ويعكس عجزاً عن مواجهة التحديات الحقيقية في الشمال نفسه. وفي هذا السياق، بدت دعوته إلى دعم القوى الوطنية الشمالية في المناطق المحررة لتمكينها من تحقيق أهدافها داخل الشمال وكأنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الطرفين على قاعدة المصالح المتبادلة لا على قاعدة الهيمنة والابتزاز السياسي.
الرسالة الأعمق في بيان الوالي تمثلت في حديثه الصريح عن حل الدولتين بوصفه الخيار الأكثر واقعية والأقل كلفة على جميع الأطراف. هذا الطرح لم يأتِ على شكل شعار عاطفي أو موقف دعائي، بل قُدِّم باعتباره مخرجاً سياسياً عملياً يمكن أن يضع حداً لحروب الاستنزاف ويؤسس لعلاقة جديدة بين الشمال والجنوب، قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون الاقتصادي بدلاً من الصراع الدائم. ولعل اللافت في هذا السياق أنه لم يقف عند حدود التنظير السياسي، بل أشار إلى إمكانية بناء نماذج شراكة اقتصادية مشتركة، مثل إدارة حقول النفط الحدودية، بما يعكس تصوراً يتجاوز الانفصال بوصفه قطيعة، إلى الاستقلال بوصفه إطاراً جديداً لعلاقة منظمة ومصالح متبادلة.
وبقراءة أوسع، فإن بيان عبدالناصر الوالي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتكاثر المبادرات والتفاهمات الإقليمية والدولية حول الملف اليمني، بينما يشعر كثير من الجنوبيين بأن قضيتهم مهددة مجدداً بأن تتحول إلى مجرد بند ثانوي في طاولة المساومات الكبرى. ولهذا، فإن أهمية البيان لا تكمن فقط في مضامينه، بل أيضاً في توقيته ورسائله المبطنة، فهو يذكّر بأن الجنوب لم يعد مجرد تفصيل يمكن تجاوزه، وأن محاولات فرض حلول قديمة على واقع جديد لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل نفسه، وربما بصورة أكثر كلفة وخطورة.
كما أن البيان يكشف بوضوح عن مزاج سياسي جنوبي متنامٍ يرفض أي تسويات تعيد تدوير الأزمات تحت مسميات جديدة، أو تحاول القفز فوق التضحيات التي قدمها الجنوب خلال سنوات الحرب وما بعدها. فحين يتحدث الوالي عن عشر سنوات من الواقع التراكمي، فهو لا يستحضر فقط التحولات العسكرية والأمنية، بل أيضاً ما تشكل في الوعي الجمعي الجنوبي من قناعة بأن العودة إلى ما قبل 2015 لم تعد خياراً قابلاً للحياة، وأن أي مشروع لا يعترف بهذه الحقيقة سيكون مشروعاً مفخخاً منذ لحظة ولادته.
في المحصلة، بدا عبدالناصر الوالي في بيانه كمن يوجه نداءً أخيراً قبل الانفجار، واضعاً الجميع أمام مفترق طرق حاسم: إما الاعتراف بالحقائق الجديدة والتعامل معها بعقلانية سياسية تفتح الباب أمام تسوية واقعية تحفظ المصالح وتمنع الانهيار، وإما الاستمرار في المكابرة وإعادة تدوير الأوهام القديمة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الجنوب والشمال والمنطقة بأسرها. وبين التحذير والدعوة، وبين النقد وطرح البدائل، أعاد الوالي التذكير بحقيقة تبدو اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى: أن الجنوب لم يعد قابلاً للعودة إلى الخلف، وأن أي محاولة لفرض الصفر عليه قد تفتح أبواباً لا يمكن تجاوزها .

فيديو