رهان المليارات وإخفاق حملاته الإعلامية في تغيير المزاج السياسي في الجنوب

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن،عين الجنوب ||خاص        


منذ أشهر، تصاعدت في المشهد الداخلي أحاديث واسعة عن تحركات إعلامية وسياسية قادتها جهات سعودية، عبر ما يُعرف باللجنة الخاصة، في محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي في الجنوب. ووفقًا لمنتقدي هذه السياسة، لم يقتصر الأمر على دعم منصات إعلامية قائمة، بل امتد إلى إطلاق وسائل إعلام جديدة، واستقطاب إعلاميين وناشطين، وتمويل حملات سياسية وإعلامية واسعة، أملاً في التأثير على الرأي العام الجنوبي وإضعاف حضور المجلس الانتقالي الجنوبي داخل قاعدته الشعبية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن تلك التحركات شملت استدعاء عشرات الإعلاميين والناشطين إلى الرياض، وتوفير إمكانات مالية وإعلامية كبيرة لإطلاق حملات تستهدف الانتقالي، بالتوازي مع تأسيس قناة فضائية تحمل اسم "الجنوب"، ونقل كوادر إعلامية وفنية وإدارية للعمل فيها، إلى جانب تمويل حملات دعائية واسعة هدفت – بحسب هذه الرؤية – إلى إعادة تشكيل المزاج السياسي في المحافظات الجنوبية.
لكن بعد مرور أكثر من ستة أشهر على انطلاق هذه التحركات، يطرح كثير من المراقبين سؤالًا جوهريًا: ماذا حققت تلك الجهود على أرض الواقع؟
بحسب مؤيدي المجلس الانتقالي، فإن المشهد لم يشهد أي تغيير جوهري في موازين القوى الشعبية. فلا المجلس الانتقالي فقد حضوره السياسي، ولا قاعدته الشعبية تعرضت للتفكك، ولا القضية الجنوبية تراجعت في وجدان قطاع واسع من أبناء الجنوب. بل إن ما حدث، وفق هذا التقييم، اقتصر على توسيع دائرة المستفيدين من التمويل الإعلامي والسياسي، دون أن ينعكس ذلك على المزاج الشعبي أو على مواقف الشارع.
ويشير هذا الرأي إلى أن الأموال، مهما بلغ حجمها، تستطيع شراء مواقف أفراد أو استقطاب أصوات إعلامية، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير قناعة مجتمع تشكلت عبر سنوات طويلة من الصراع والتجارب السياسية. فالقضايا التي ترتبط بالهوية والانتماء والذاكرة الجمعية لا تتغير بحملات إعلامية أو برامج ممولة، وإنما تتأثر بالوقائع الميدانية والسياسات العملية التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.
ويستشهد أصحاب هذا الطرح بما شهدته عدد من المدن الجنوبية، من المهرة شرقًا مرورًا بحضرموت وعدن ولحج وأبين والضالع، من مظاهر احتفال شعبية أعقبت خسارة المنتخب السعودي في بطولة كأس العالم، معتبرين أن تلك المشاهد عكست حالة من الرفض الشعبي للسياسات السعودية لدى شريحة من المواطنين، ورسالة سياسية تعكس اتساع الفجوة بين الشارع وبعض السياسات الإقليمية المتعلقة بالملف اليمني. وفي المقابل، قد يفسر آخرون هذه الاحتفالات باعتبارات رياضية أو اجتماعية أو سياسية متداخلة، وهو ما يجعل دلالاتها محل نقاش.
ويرى محللون أن أي محاولة لإعادة صياغة المشهد الجنوبي من الخارج ستظل تصطدم بحقيقة أن الجنوب يمتلك قضية سياسية متجذرة لدى قطاع واسع من أبنائه، وأن التعامل معها باعتبارها مجرد أزمة إعلامية أو معركة يمكن حسمها بالإنفاق المالي قد لا يحقق النتائج المرجوة.
ويؤكد هؤلاء أن التجارب السياسية في المنطقة أثبتت مرارًا أن الإعلام، رغم أهميته، لا يستطيع بمفرده صناعة واقع سياسي جديد إذا كان هذا الواقع يتعارض مع قناعات راسخة لدى الجمهور. فالحملات الإعلامية قد تؤثر في الصورة الذهنية لفترة محدودة، لكنها لا تستطيع إلغاء الوقائع التي تشكلت عبر سنوات من الأحداث والتجارب.
كما يرى مراقبون أن استمرار الاعتماد على أدوات الضغط الإعلامي دون مراجعة سياسية شاملة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمنح الطرف المستهدف فرصة لتعزيز حضوره عبر استثمار تلك الحملات في تأكيد روايته أمام أنصاره، وهو ما قد يفسر – وفق هذا الرأي – بقاء المجلس الانتقالي حاضرًا في المشهد السياسي رغم الحملات التي استهدفته.
وفي المحصلة، يرى أصحاب هذه القراءة أن التجربة تستحق مراجعة جادة، لأن النتائج المعلنة على الأرض لا تبدو متناسبة مع حجم الإنفاق والجهد المبذول. فالقضايا الوطنية، كما يقولون، لا تُحسم بالمال وحده، ولا تُغيَّر بالحملات الإعلامية مهما بلغت قوتها، وإنما بالحوار، واحترام إرادة الشعوب، ومعالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء بإدارة مظاهرها.
لقد أثبتت الوقائع – وفق هذا المنظور – أن الشعوب التي تمتلك قضية تعتبرها عادلة تظل أكثر تمسكًا بها كلما تعرضت لمحاولات الضغط أو الاحتواء، وأن الرهان على تغيير القناعات عبر الإنفاق السياسي والإعلامي وحده يبقى رهانًا محفوفًا بالفشل ما لم يستند إلى حلول سياسية تعالج الأسباب الحقيقية للصراع.

فيديو