السعودية وخيانة الحلفاء.. حين تتحول التحالفات إلى أوراق مساومة والتحالف مع الخصوم إلى سياسة مفتوحة

تقارير - منذ 7 ساعات

عدن || عين الجنوب || خاص:
في عالم السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات أبدية، لكن هناك شيئًا يفترض أن يبقى ثابتًا: احترام الحليف وعدم تركه وحيدًا عندما تشتد العواصف. غير أن التجارب المتراكمة في المنطقة تطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: ماذا يحدث عندما تتحول التحالفات من شراكات استراتيجية إلى أوراق تستخدمها الدول وفقًا لمصالحها الآنية، فتقترب ممن كانت تصفه بالأمس خصمًا، وتضغط في الوقت نفسه على حلفائها وشركائها؟
السعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي ومالي وإقليمي، بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من التحالفات والاتفاقات والتفاهمات، بعضها عسكري وأمني، وبعضها سياسي واقتصادي. لكن هذه الشبكة أصبحت في نظر منتقدي السياسة السعودية أشبه بدائرة متحركة؛ حليف اليوم قد يجد نفسه غدًا خارج الحسابات، بينما تفتح الرياض أبواب التفاهم مع أطراف كانت حتى وقت قريب في الضفة المقابلة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كيف يمكن لدولة أن تطلب من حلفائها الوقوف معها في مواجهة المخاطر، بينما يشعر بعض هؤلاء الحلفاء بأنهم لا يحصلون في المقابل على الضمانات نفسها؟
في اليمن تحديدًا، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا. فقد دخلت السعودية الحرب ضمن تحالف عسكري واسع، تحت عنوان مواجهة الحوثيين وإعادة ترتيب المشهد اليمني، لكن سنوات الحرب أثبتت أن المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية. تعددت القوى، وتضاربت المصالح، وتغيرت الأولويات، وبات الحليف المحلي يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام حسابات إقليمية لا يستطيع التحكم بها.
ومع كل جولة تصعيد جديدة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: من هو الحليف الحقيقي؟ ومن هو مجرد ورقة تستخدم عندما تقتضي الحاجة ثم يجري تجاوزها عندما تتغير الظروف؟
الأمر لا يتعلق بالسعودية وحدها؛ فهذه هي طبيعة السياسة الدولية. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح لغة التحالف أكبر من مضمون التحالف، وعندما تكون الالتزامات المعلنة أكثر صلابة من الواقع الميداني. فالحليف لا يريد بيانات تضامن فقط، بل يريد أن يعرف أين يقف شريكه عندما تأتي لحظة الاختبار.
والأكثر إثارة للجدل أن المنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات في العلاقات السعودية مع عدد من الخصوم والخصوم السابقين، الأمر الذي يؤكد أن السياسة السعودية تتحرك وفق حسابات براغماتية واسعة. من منظور الرياض قد يكون ذلك نجاحًا دبلوماسيًا وقدرة على إدارة التناقضات، لكن من منظور بعض الحلفاء قد يبدو الأمر مختلفًا تمامًا: إذا كانت المصالح قادرة على إعادة رسم خطوط العداء والصداقة بهذه السرعة، فما الذي يضمن بقاء التحالفات القديمة؟
هنا تحديدًا تتولد أزمة الثقة.
فالحليف الذي قاتل إلى جانبك لا يريد أن يكتشف بعد سنوات أن دوره كان مؤقتًا، وأن التفاهمات الجديدة أصبحت أهم من التضحيات السابقة. والقوة الإقليمية التي تبني نفوذها على شبكة من الشركاء لا تستطيع الحفاظ على هذه الشبكة بالمال وحده؛ لأن النفوذ المستدام يحتاج إلى الثقة، والثقة لا تُشترى بالاتفاقيات ولا تُفرض بالضغوط.
وفي الملف الجنوبي العربي ، يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: هل تنظر الرياض إلى القوى الجنوبية باعتبارها شريكًا سياسيًا وعسكريًا يمتلك قضية ومصالح ومشروعًا، أم باعتبارها أدوات ضمن ترتيبات أوسع يمكن إعادة توزيع أدوارها متى تغيرت المعادلات؟
هذا السؤال لا يأتي من فراغ في الخطاب السياسي الجنوبي، بل من تراكم طويل من الخلافات حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب وطبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية. ولذلك فإن أي محاولة لفرض ترتيبات لا تأخذ مصالح الجنوبيين وتطلعاتهم السياسية بعين الاعتبار قد تنتج هدوءًا مؤقتًا، لكنها لن تصنع استقرارًا دائمًا.
أما المفارقة الأكبر فهي أن السعودية، وهي التي تواجه تهديدات أمنية مباشرة من الحوثيين، تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي تحتاج إلى حلفاء أقوياء على الأرض، وفي الوقت ذاته تحاول إدارة شبكة واسعة من المصالح والعلاقات الإقليمية. وكلما ازدادت هذه الحسابات تعقيدًا، ازدادت احتمالات أن يشعر أحد الأطراف بأن حساباته تأتي في المرتبة الثانية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل التحالفات تُبنى لحماية المصالح المشتركة، أم لحماية مصالح الطرف الأقوى أولًا؟
إذا كان التحالف شراكة، فإن الشراكة تعني أن الخسارة مشتركة كما أن المكسب مشترك. أما إذا أصبح أحد الأطراف يحدد وحده من هو الحليف ومن هو الخصم، ومتى يبدأ التحالف ومتى ينتهي، فإن الأمر يتحول من شراكة إلى علاقة غير متكافئة.
السياسة السعودية تستطيع أن تعقد التفاهمات مع من تشاء، فهذا حق سيادي لا جدال فيه. لكن المشكلة السياسية ليست في التفاوض مع الخصوم، بل في الطريقة التي تُدار بها العلاقة مع الحلفاء. فالتفاهم مع الخصم قد يكون ضرورة سياسية، أما خسارة الحليف بسبب سوء إدارة العلاقة فهي خطأ استراتيجي قد تكون كلفته أكبر من أي مكسب دبلوماسي مؤقت.
وفي النهاية، لا يمكن لأي دولة أن تحافظ على نفوذها الإقليمي إلى الأبد بالاعتماد على القوة والمال فقط. النفوذ الحقيقي يحتاج إلى شركاء يشعرون بأنهم شركاء فعلًا، لا أدوات قابلة للاستبدال.
ولعل الرسالة الأهم التي تفرضها تجارب المنطقة هي أن الحليف الذي يشعر بأنه خُذل لن يبقى حليفًا إلى الأبد، والقيادات التي تبني حساباتها على أساس أن الآخرين لا يملكون بدائل قد تكتشف متأخرة أن السياسة مليئة بالبدائل.
ففي الشرق الأوسط، قد تتغير الخرائط السياسية، وقد تتبدل التحالفات، وقد يجلس الخصوم إلى طاولة واحدة بعد سنوات من القطيعة، لكن شيئًا واحدًا يصعب ترميمه عندما ينكسر: الثقة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من تحالفت السعودية معه بالأمس؟ بل: من سيبقى إلى جانبها غدًا عندما تتغير المصالح وتُرفع كلفة الاختبار؟
فالدول لا تخسر حلفاءها عندما تختلف معهم فقط، بل تخسرهم عندما تجعلهم يعتقدون أن التحالف معها لا يعني شيئًا عندما تتغير الحسابات.

فيديو