مجلس الأمن خلف الأبواب المغلقة.. هل تقترب القضية الجنوبية من استحقاق دولي جديد؟

تقارير - منذ 6 ساعات

عدن ||عين الجنوب|| خاص:
دخل الملف اليمني، مجدداً، إلى دائرة النقاش المغلق في مجلس الأمن الدولي، وسط مرحلة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد، تتزامن مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر وخليج عدن، وتغيرات متسارعة في موازين القوى والترتيبات السياسية والأمنية داخل اليمن، ولا سيما في الجنوب.
ففي 18 أغسطس/آب 2026، عقد مجلس الأمن مشاورات مغلقة بشأن اليمن، وفق برنامج العمل الرسمي للمجلس، في اجتماع لم تُكشف تفاصيل مداولاته أو مواقف الدول الأعضاء خلاله بصورة علنية حتى الآن. هذا الغموض فتح الباب أمام قراءات سياسية متعددة بشأن الملفات التي حظيت باهتمام المجتمع الدولي، وما إذا كانت القضية الجنوبية قد أصبحت جزءاً أكثر حضوراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل اليمن.
ورغم عدم وجود وثيقة رسمية معلنة تؤكد أن المجلس اتخذ قراراً بشأن مستقبل الجنوب أو أقر حق تقرير المصير أو ناقش استقلال جنوب اليمن، فإن توقيت الاجتماع يأتي في ظل تحولات سياسية وعسكرية لافتة، الأمر الذي يمنح المشاورات أهمية خاصة، ويعيد طرح السؤال حول طبيعة التسوية التي يمكن أن تُبنى عليها المرحلة المقبلة.
الجنوب.. من ملف مؤجل إلى عقدة أساسية
لسنوات طويلة، ظلت القضية الجنوبية حاضرة في المشهد اليمني، لكنها غالباً ما جرى التعامل معها باعتبارها ملفاً يمكن تأجيله إلى مراحل لاحقة من التسوية. غير أن التطورات السياسية والميدانية خلال السنوات الماضية جعلت تجاوزها أكثر صعوبة، خصوصاً مع استمرار المطالب الجنوبية بإعادة صياغة شكل الدولة ومعالجة قضية الشراكة السياسية والأمنية.
ومع تعقّد الحرب اليمنية وتعدد القوى الفاعلة على الأرض، لم يعد من السهل رسم خريطة سياسية جديدة لليمن من دون تحديد موقع الجنوب في هذه الخريطة، ولا طبيعة العلاقة بين القوى الجنوبية والمركز السياسي في صنعاء أو عدن، ولا شكل الترتيبات الأمنية والعسكرية التي يمكن أن تضمن استقرار المناطق الجنوبية.
ومن هنا، تبدو أهمية أي نقاش دولي يتناول مستقبل اليمن، حتى وإن لم تتوافر معلومات رسمية تؤكد تفاصيله.
مشاورات مغلقة وأسئلة مفتوحة
غياب محضر علني عن جلسة المشاورات لا يعني بالضرورة وجود قرار سري بشأن الجنوب، كما أن الحديث عن مناقشة القضية الجنوبية داخل مجلس الأمن لا يمكن أن يتحول إلى حقيقة سياسية من دون وثائق أو بيانات رسمية تؤكده.
لكن في المقابل، فإن طبيعة الاجتماعات المغلقة تمنح الدول الأعضاء مساحة واسعة لمناقشة الملفات الحساسة بعيداً عن البيانات الإعلامية، خصوصاً في القضايا التي ترتبط بمستقبل الدولة وترتيبات الأمن الإقليمي.
ولهذا، فإن الأنظار تتجه خلال المرحلة المقبلة إلى مواقف الدول الكبرى، وإلى ما قد يصدر عن الأمم المتحدة والمبعوث الأممي إلى اليمن، لمعرفة ما إذا كانت هناك بالفعل مقاربة دولية جديدة تجاه القضية الجنوبية أم أن الأمر لا يزال في إطار المشاورات العامة حول الأزمة اليمنية.
السعودية وإعادة ترتيب المشهد
يتزامن ذلك مع تحركات إقليمية لإعادة ترتيب القوى السياسية والعسكرية المناهضة للحوثيين، وسط حديث متزايد عن إعادة تنظيم المشهد تحت مظلة أكثر مركزية.
وتطرح هذه التحركات أسئلة عديدة حول مستقبل القوى الجنوبية، وطبيعة علاقتها بالترتيبات الجديدة، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة توزيع للأدوار والنفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
كما تعيد هذه التطورات فتح ملف العلاقة السعودية–الإماراتية في اليمن، خصوصاً في ظل التغيرات التي طرأت على مستوى الحضور والنفوذ الإقليمي، وانعكاس ذلك على القوى المحلية المرتبطة بكل طرف.
هل تتغير قواعد اللعبة؟
المؤشرات السياسية لا تسمح حتى الآن بالقول إن المجتمع الدولي اتخذ موقفاً نهائياً بشأن مستقبل الجنوب، لكنها تكشف في المقابل أن التسوية اليمنية المقبلة ستكون أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتصارعة.
فالحوثيون يمثلون أحد أكبر تحديات التسوية، لكن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات حول شكل الدولة، وتقاسم السلطة، ومستقبل الجنوب، والترتيبات الأمنية والعسكرية، وموارد البلاد.
وبالتالي، فإن أي اتفاق سياسي لا يعالج جذور القضية الجنوبية قد يجد نفسه أمام تحديات جديدة، خصوصاً إذا شعرت القوى الجنوبية بأن التسوية تُفرض عليها من خارجها أو تتجاهل مطالبها السياسية.
البحر الأحمر يفرض حساباته
ولا يمكن فصل التطورات السياسية عن الوضع الأمني في البحر الأحمر وخليج عدن. فالموقع الجغرافي لليمن، وامتداد سواحله، وقربه من خطوط الملاحة الدولية، يجعل استقرار الجنوب جزءاً مهماً من الحسابات الأمنية الدولية.
وتسعى القوى الكبرى إلى منع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة تهدد حركة التجارة والملاحة الدولية، وهو ما يجعل الاستقرار السياسي والأمني في الجنوب ذا أهمية تتجاوز الحسابات الداخلية اليمنية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي ترتيبات مستقبلية لليمن قد تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع المصالح الأمنية والاستراتيجية الدولية.
لا قرار معلناً.. لكن المشهد يتغير
حتى الآن، لا توجد معلومات رسمية معلنة تثبت أن مجلس الأمن اتخذ قراراً بشأن استقلال الجنوب أو حق تقرير المصير، كما لا توجد وثيقة علنية تؤكد اتفاقاً دولياً جديداً حول مستقبل القضية الجنوبية.
لكن المؤكد أن المشهد اليمني يمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، وأن الجنوب أصبح رقماً يصعب تجاوزه في أي معادلة سياسية مقبلة.
فالسؤال لم يعد فقط كيف تنتهي الحرب اليمنية، بل ماذا سيأتي بعدها؟ وكيف ستُعاد صياغة مؤسسات الدولة؟ ومن سيمتلك القرار السياسي والأمني؟ وما موقع الجنوب في أي ترتيبات جديدة؟
اختبار حقيقي للمرحلة المقبلة
خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، ستتضح بصورة أكبر ملامح المقاربة الدولية الجديدة تجاه اليمن، خصوصاً مع استمرار التحركات الإقليمية والدولية، وتزايد الضغوط للوصول إلى صيغة سياسية تنهي الحرب وتمنع عودة التصعيد.
وفي قلب هذه المعادلة، تقف القضية الجنوبية باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.
فإذا اتجه المجتمع الدولي إلى معالجة القضية باعتبارها طرفاً أساسياً في التسوية، فقد نشهد مرحلة سياسية مختلفة عن المراحل السابقة. أما إذا جرى تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها ملفاً مؤجلاً، فقد تبقى واحدة من أبرز نقاط التوتر التي يمكن أن تعيق أي تسوية شاملة.
وبينما لا يزال ما جرى داخل الغرفة المغلقة لمجلس الأمن بعيداً عن التفاصيل العلنية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل كانت مشاورات 18 أغسطس مجرد اجتماع دوري حول اليمن، أم أنها تعكس بداية نقاش دولي أوسع حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب؟
الإجابة ستحددها المواقف القادمة، لكن المؤكد أن الجنوب لم يعد تفصيلاً هامشياً في معادلة اليمن، وأن أي صيغة سياسية جديدة ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع القضية الجنوبية بوصفها أحد مفاتيح الاستقرار أو أحد أبواب الأزمة المقبلة.

فيديو