بعد خروج الانتقالي وانتهاء شماعة الإمارات من المسؤول عن الوضع الكارثي اليوم؟

تقارير - منذ 5 ساعات

عدن || عين الجنوب|| خاص:
لم يعد السؤال اليوم عن المجلس الانتقالي الجنوبي وحده، ولا عن الدور الإماراتي الذي ظل لسنوات شماعة جاهزة لتعليق كثير من الإخفاقات عليها. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا بعد؟
إذا كانت المشكلة، كما قيل مراراً، في وجود الانتقالي داخل مؤسسات الشرعية، وفي نفوذ الإمارات، وفي تعدد مراكز القرار، فقد حدثت خلال الأشهر الماضية تطورات جذرية يفترض أن تكون قد أزاحت هذه العوائق أو خففتها.
ففي 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلن مجلس القيادة الرئاسي إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، وأصدر قراراً بخروج القوات الإماراتية من الأراضي اليمنية، وتسليم مواقع في حضرموت والمهرة لقوات درع الوطن.
وبعيداً عن الجدل السياسي حول تلك القرارات، فإنها تفرض سؤالاً بسيطاً على أصحاب خطاب "المشكلة كانت في الإمارات والانتقالي": إذا انتهى هذا الدور، فأين النتائج؟
مرت أشهر، وما زالت البلاد تواجه أزمة اقتصادية وخدمية خانقة، فيما تستمر تهديدات الحوثيين وتبقى معركة استعادة صنعاء بعيدة عن الواقع الميداني. بل إن الخطاب الرسمي نفسه ما زال يتحدث عن ضرورة ردع الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة، ما يعني أن الحرب لم تُحسم، وأن المشروع الذي رُفعت شعاراته طوال السنوات الماضية لم يتحول إلى إنجاز عسكري وسياسي ملموس.
انتهت شماعة الإمارات.. فماذا عن الخدمات؟
لسنوات، قيل إن تعدد القوى والنفوذ الإماراتي والصراع داخل معسكر الشرعية يمثل أحد أسباب تعطيل مؤسسات الدولة والخدمات.
حسناً، فلنفترض أن هذا التشخيص كان صحيحاً.
ماذا حدث بعد خروج الإمارات؟
هل استقرت الكهرباء؟
هل استقر الغاز؟
هل تحسنت العملة؟
هل انتظمت المرتبات؟
هل عادت مؤسسات الدولة إلى العمل بكفاءة؟
هل تحسنت الخدمات الأساسية؟
هل أصبحت المحافظات المحررة أكثر أمناً واستقراراً؟
وهل تحولت الموارد إلى مشاريع تنموية حقيقية يشعر المواطن بنتائجها؟
هذه ليست أسئلة أيديولوجية، ولا تحتاج إلى بيانات حزبية. إنها أسئلة المواطن الذي يريد أن يعرف أين تذهب موارد الدولة، ولماذا لا تنعكس على حياته اليومية.
وتكشف تقارير صحفية حديثة حجم أزمة الخدمات في عدن، بما في ذلك أزمة الكهرباء التي أصبحت واحدة من أكثر الملفات إثارة للغضب الشعبي.
وهنا يصبح من الصعب الاستمرار في تقديم المبررات نفسها دون مراجعة.
وإذا كان الانتقالي هو المشكلة.. فلماذا لم تبدأ الحلول؟
المفارقة أن الخطاب الرسمي اتجه خلال الفترة الماضية إلى التأكيد على توحيد القرار السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي.
وفي أغسطس/آب 2026، أكد رئيس مجلس القيادة أن الدولة أصبحت أكثر قدرة وتماسكاً واستعداداً، وأن العمل جرى على توحيد القرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
إذن، إذا كانت الدولة اليوم ـ وفق الخطاب الرسمي ـ أكثر تماسكاً، وإذا جرى تقليص مراكز القوى، وإذا انتهى الوجود العسكري الإماراتي المباشر، وإذا لم يعد الانتقالي شريكاً في القرار كما كان سابقاً بحسب هذا الطرح، فإن استمرار الأزمات يحتاج إلى تفسير جديد.
لا يمكن أن تبقى كل الملفات معلقة على شماعة واحدة إلى ما لا نهاية.
فالحكومة التي تطالب بالصلاحيات الكاملة يجب أن تتحمل أيضاً مسؤولية النتائج الكاملة.
السعودية أيضاً أمام اختبار سياسي
وهنا يصل النقد إلى الرياض وسياساتها في اليمن.
فالسعودية لم تعد مجرد دولة داعمة سياسياً للشرعية، بل أصبحت لاعباً إقليمياً رئيسياً في رسم مساراتها السياسية والأمنية والاقتصادية. وقد أشارت رويترز في فبراير/شباط 2026 إلى استخدام الرياض المال والنفوذ لإعادة ترتيب المشهد اليمني بعد إخراج الإمارات، مع تخصيص مليارات الدولارات لدعم اليمن ومحاولة توحيد القوى المناهضة للحوثيين.
وهذا النفوذ يضع الرياض أمام مسؤولية سياسية أكبر، لا أقل.
فإذا كانت السعودية قد أخذت مساحة أوسع في إدارة الملف، فإن المواطن اليمني والجنوبي من حقه أن يسأل:
ماذا أنتجت هذه السياسة؟
هل اقتربت صنعاء من التحرير؟
هل انتهى تهديد الحوثيين؟
هل توقفت الهجمات؟
هل استقرت المناطق المحررة؟
هل تحسنت الخدمات؟
هل أصبحت مؤسسات الدولة أكثر كفاءة؟
أم أن اليمن انتقل فقط من مرحلة صراع بين حلفاء متعددين إلى مرحلة أخرى من إعادة توزيع النفوذ، بينما بقي المواطن في آخر قائمة الاهتمامات؟
الحوثي لم ينتظر اكتمال ترتيبات الرياض
المشكلة الأكبر أن الحوثيين لا يعيشون حالة الفراغ السياسي نفسها.
بينما ينشغل معسكر الشرعية بإعادة ترتيب البيت الداخلي، يواصل الحوثيون الحفاظ على قدرتهم على الضغط العسكري والإقليمي.
وتشير تقارير حديثة إلى عودة التوتر في البحر الأحمر وتهديد الملاحة، بالتزامن مع تصعيد الحوثيين ضد السعودية.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
المعسكر المناهض للحوثيين يمتلك الاعتراف الدولي، والدعم الإقليمي، والموارد، والسلاح، ومساحات واسعة من البلاد، لكنه ما زال عاجزاً عن تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع حسم واضح.
بينما يستفيد الحوثي من الانقسام والارتباك والتناقضات داخل خصومه.
المشكلة ليست فقط في الأشخاص.. المشكلة في طريقة إدارة الملف
من السهل جداً أن تقول: الانتقالي هو المشكلة.
ومن السهل أيضاً أن تقول: الإمارات هي المشكلة.
لكن السياسة لا تُدار بالشعارات.
إذا أُخرج طرف من المشهد ولم تتغير النتائج، فيجب مراجعة الفرضية نفسها.
وإذا تغيرت التحالفات ولم تتحسن الخدمات، فالمشكلة أعمق من اسم وزير أو حزب أو مكوّن.
وإذا تغيرت موازين النفوذ ولم تتقدم الجبهات، فهناك خلل في الاستراتيجية العسكرية والسياسية.
وإذا أنفقت مليارات الدولارات ولم يشعر المواطن بتحسن ملموس، فهناك سؤال كبير حول الإدارة والرقابة والفساد وتوزيع الموارد.
لا يمكن تحرير صنعاء بخطابات البيانات
الناس سئمت البيانات.
سئمت الوعود.
سئمت المؤتمرات.
سئمت الحديث عن "المرحلة المقبلة".
المواطن يريد كهرباء، وغازاً، ومرتباً، وأمناً، وقضاءً، وخدمات، واقتصاداً مستقراً.
والجندي يريد راتبه وحقوقه.
والمريض يريد مستشفى.
والشاب يريد فرصة عمل.
والأسرة تريد أن تعرف كيف ستؤمّن احتياجاتها في نهاية الشهر.
أما صنعاء، فهي ليست شعاراً يرفع في الخطابات، وإنما هدف سياسي وعسكري يحتاج إلى استراتيجية حقيقية وإمكانات وقرار واضح.
وقد أكد العليمي مؤخراً أن استراتيجية الدولة تقوم على استعادة المؤسسات وإسقاط الانقلاب، وأن توقيت وخطوات تحقيق ذلك متروكة للقيادة.
لكن السؤال الشعبي هنا مشروع:
متى يتحول هذا الكلام إلى نتائج؟
السعودية مطالبة بمراجعة الحسابات
إذا كانت الرياض قد اختارت إعادة تشكيل المعسكر المناهض للحوثيين، وأصبحت صاحبة النفوذ الأكبر في المرحلة الجديدة، فإن استمرار الفشل لا يمكن أن يُفسَّر دائماً بأنه نتيجة أخطاء الآخرين.
السياسة الناجحة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بما تنتجه على الأرض.
والاستراتيجية الناجحة لا تقاس بعدد البيانات، وإنما بقدرتها على حماية حلفائها، وتحسين حياة السكان، ومنع خصومها من توسيع نفوذهم.
أما أن تتغير التحالفات بينما تبقى الأزمات نفسها، فهذا يعني أن هناك خللاً يحتاج إلى مراجعة جادة.
الخلاصة: انتهى زمن المبررات
ربما يكون السؤال الأكثر إحراجاً اليوم هو نفسه الأكثر عدالة:
إذا كان الانتقالي هو المشكلة، ولم يعد شريكاً في القرار وفق الرواية التي تطرحها السلطات، وإذا كانت الإمارات قد خرجت من المشهد العسكري المباشر، وإذا أصبح القرار أكثر توحيداً كما يقول الخطاب الرسمي، فلماذا لا تزال الخدمات متدهورة، ولماذا لم تتقدم معركة استعادة صنعاء، ولماذا ما زال الحوثي قادراً على تهديد اليمن والمنطقة؟
هذه ليست دعوة لتبرئة أي طرف من مسؤولياته، ولا محاولة لإعادة إنتاج دور الانتقالي أو الإمارات، وإنما دعوة إلى المساءلة السياسية.
فالسلطة التي تطالب بإنهاء نفوذ الآخرين يجب أن تثبت أنها قادرة على إدارة المشهد بنفسها.
والتحالف الذي يطلب إعادة ترتيب القوى اليمنية يجب أن يقدم للشعب نتيجة ملموسة.
أما أن تتغير الأسماء والتحالفات بينما يبقى المواطن يدفع ثمن الفشل، فهذه ليست إدارة للأزمة، بل إعادة تدوير لها.
لقد حان الوقت لأن يتوقف الجميع عن سؤال: من كان السبب بالأمس؟
والبدء بالسؤال الأصعب:
من المسؤول اليوم؟ وماذا أنجز؟ وماذا سيقدم للشعب غداً؟
لأن المواطن لم يعد يبحث عن شماعة جديدة، بل عن دولة حقيقية، وخدمات حقيقية، وأمن حقيقي، وقرار سياسي لا يتغير بتغير غرف الإقليم.

فيديو