أزمة الغاز في عدن.. طوابير المواطنين تكشف فشل إدارة الدولة و«التبريرات» تتحول إلى إدانة

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن|| عين الجنوب|| خاص:
تتفاقم أزمة الغاز المنزلي في العاصمة عدن وعدد من المحافظات المجاورة، وسط حالة من الغضب الشعبي المتزايد جراء صعوبة الحصول على أسطوانة الغاز وارتفاع أسعارها في السوق الموازية، في وقت تتجه فيه الجهات الحكومية إلى تقديم سلسلة من التبريرات المرتبطة بتعطل الإمدادات والقطاعات القبلية وأعمال الصيانة، بدلاً من تقديم حلول عاجلة تنهي معاناة المواطنين.
وأعاد بيان وزارة النفط بشأن الأزمة فتح ملف أوسع يتعلق بقدرة الحكومة على إدارة ملف المشتقات والمواد الأساسية، بعدما تحدثت الوزارة عن توقف الإمدادات لنحو 126 يوماً خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس، بسبب ما وصفته بوجود 25 قطاعاً قبلياً أثرت على حركة نقل الغاز.
غير أن هذه التفسيرات، بحسب الانتقادات المتداولة، تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: إذا كانت الدولة تعرف حجم المخاطر التي تهدد خطوط الإمداد، فأين كانت خطط الطوارئ والمخزونات الاحتياطية وآليات تأمين نقل المادة إلى المدن والأسواق؟
المواطن يدفع ثمن أزمة لم يصنعها
في عدن، لا تبدو الأزمة بالنسبة للمواطن مجرد مشكلة مؤقتة في وصول شاحنات الغاز، بل تحولت إلى معاناة يومية تبدأ من البحث عن أسطوانة وتنتهي غالباً أمام محطة مغلقة أو سوق سوداء تفرض أسعاراً تفوق السعر الرسمي.
ومع امتداد الطوابير أمام نقاط البيع، تتضاعف الأعباء على الأسر، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ويجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: إما الانتظار لساعات بحثاً عن الغاز بالسعر الرسمي، أو اللجوء إلى السوق السوداء وتحمل الأسعار المرتفعة.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع دخول قطاعات تجارية ومركبات على خط الطلب على الغاز، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى الإشارة إلى الضغط المتزايد على الكميات المخصصة للاستخدام المنزلي.
لكن هذا التبرير بدوره يفتح باباً آخر من الأسئلة حول التنظيم والرقابة؛ فزيادة الطلب ليست ظاهرة مفاجئة، وكان يفترض أن ترافقها إجراءات مبكرة للفصل بين الاستخدام المنزلي والتجاري، وتنظيم عمليات التوزيع ومنع تسرب الحصص المخصصة للأسر إلى مسارات أخرى.
صيانة «صافر» واختبار خطط الطوارئ
ومن بين الملفات التي أثارتها الأزمة أعمال الصيانة المرتبطة بمعامل صافر، وهي أعمال يفترض أن تكون ضمن دورة تشغيلية يمكن توقعها مسبقاً، الأمر الذي يجعل السؤال عن المخزون الاستراتيجي أكثر إلحاحاً.
ففي أي منظومة لإدارة المواد الحيوية، لا يكفي معرفة موعد الصيانة أو توقع توقف جزء من الإنتاج، بل ينبغي أن تكون هناك خطة بديلة تضمن استمرار الإمدادات خلال الفترة الانتقالية.
وتطرح الأزمة بالتالي تساؤلات حول مدى جاهزية منظومة التخزين والتوزيع، وما إذا كانت الكميات الاحتياطية الموجودة قادرة على التعامل مع أي توقف طارئ أو انخفاض مؤقت في الإنتاج.
من أزمة إمداد إلى أزمة إدارة
المشكلة الأخطر لا تتوقف عند نقص الغاز، وإنما تكمن في تحول الأزمة إلى حالة متكررة يصعب معها إقناع الشارع بأنها مجرد ظرف استثنائي.
فحين تتكرر الاختناقات، وتظهر الأسواق السوداء بالتزامن مع اختفاء المادة من محطات البيع، تصبح المسألة مرتبطة أيضاً بكفاءة الرقابة على سلسلة الإمداد منذ لحظة وصول الغاز وحتى توزيعه على المواطنين.
وهنا تبرز الحاجة إلى بيانات واضحة وشفافة تحدد حجم الكميات التي تصل إلى عدن، وآلية توزيعها على المديريات، وعدد نقاط البيع، والأسعار المعتمدة، والإجراءات المتخذة بحق المتلاعبين والمحتكرين.
المواطن يريد حلاً لا بياناً
الشارع لا ينتظر تفسيراً جديداً لأسباب اختفاء أسطوانة الغاز، بقدر ما ينتظر إجراءات ملموسة تعيد المادة إلى الأسواق وتضع حداً للفوضى.
ومن بين الإجراءات المطلوبة تشديد الرقابة على محطات البيع، إعلان الكميات الواردة والموزعة بصورة دورية، ضمان وصول الحصص المنزلية إلى المستحقين، مكافحة السوق السوداء، وتفعيل خطط الطوارئ عند حدوث أي خلل في الإنتاج أو النقل.
كما أن معالجة الأزمة تتطلب تنسيقاً حقيقياً بين الجهات الحكومية والأمنية والمحلية، خصوصاً فيما يتعلق بتأمين خطوط النقل وحماية الشاحنات ومنع تعطيل الإمدادات.
أزمة الغاز تكشف أزمة أكبر
وبينما تستمر معاناة المواطنين، تتحول أزمة الغاز تدريجياً إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومة والسلطات المحلية على إدارة ملف الخدمات الأساسية.
فالمواطن الذي يقف لساعات بحثاً عن أسطوانة لا تعنيه كثيراً قائمة الأسباب التي أدت إلى الأزمة؛ ما يعنيه هو أن يحصل على الغاز بسعر عادل وفي وقت مناسب.
ولهذا فإن استمرار الأزمة من دون حلول مستدامة سيجعل التبريرات الحكومية تفقد تأثيرها، وقد تتحول من محاولة لتفسير المشكلة إلى جزء من المشكلة نفسها.
وفي نهاية المطاف، فإن أزمة الغاز في عدن ليست مجرد أزمة مادة قابلة للاشتعال، بل أزمة ثقة أيضاً؛ وكلما طال أمد الطوابير واتسعت السوق السوداء، ازدادت الحاجة إلى إجابة واضحة عن سؤال واحد: من يدير منظومة الإمداد، ومن يتحمل مسؤولية ضمان وصول الغاز إلى المواطن؟

فيديو