اعتقال الناشطين الجنوبيين لن يوقف انتفاضة شعب يطالب بحقه

تقارير - 1 hour ago

عدن || عين الجنوب|| خاص:
في مشهد يعكس حجم القلق المتزايد من اتساع رقعة الحراك الشعبي الجنوبي، تتصاعد حملات الاعتقال والملاحقة بحق الناشطين الجنوبيين الأحرار، في محاولة تبدو مكشوفة لإسكات الأصوات المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة، وفرض واقع من الخوف على شعبٍ أثبت طوال سنوات أن إرادته أقوى من كل أدوات القمع والتضييق.
إن اعتقال الناشطين الجنوبيين لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراءات أمنية عابرة، أو حوادث منفصلة عن سياقها السياسي والشعبي، فالمسألة تتجاوز الأشخاص المستهدفين إلى محاولة استهداف الصوت الجنوبي ذاته، وإخماد التعبير السلمي عن تطلعات شعب يعلن بوضوح تمسكه بحقه في تقرير مصيره، ورفضه لأي شكل من أشكال الوصاية أو الإملاءات أو فرض المشاريع السياسية بالقوة.
فالناشط الجنوبي الذي يخرج إلى الشارع، أو يكتب موقفاً، أو يرفع صوته احتجاجاً على تدهور الخدمات، أو يطالب بالحقوق السياسية والوطنية، لا يمثل نفسه فقط، بل يعبر عن حالة شعبية واسعة باتت ترى أن الصمت لم يعد خياراً، وأن تجاهل المطالب الشعبية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان واتساع دائرة الرفض.
ومن هنا، فإن حملات الاعتقال لا تعالج الأزمة، ولا توقف الاحتجاج، ولا تنهي المطالب، بل تمنحها بعداً جديداً وتحوّل المعتقلين إلى رموز لقضية أكبر من الأشخاص. فكل ناشط يُعتقل، وكل صوت يُحاصر، وكل رأي يُقمع، يفتح الباب أمام مزيد من الأسئلة حول طبيعة المرحلة، والجهات التي تخشى من الكلمة الحرة، ولماذا يتم التعامل مع المطالب الشعبية باعتبارها تهديداً بدلاً من الاستماع إليها ومعالجة أسبابها.
لقد أثبتت التجارب أن القمع لا يستطيع إلغاء القضايا العادلة، وأن السجون لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحوار، وأن الاعتقالات لا تصنع استقراراً دائماً. فالشعوب قد تصمت تحت الضغط لفترة، لكنها لا تنسى حقوقها، ولا تتخلى عن مطالبها، ولا تتنازل عن قضاياها الوطنية لمجرد أن أصحاب الرأي تعرضوا للملاحقة.
والجنوب، الذي شهد خلال السنوات الماضية موجات متعاقبة من النضال الشعبي والسياسي، لم يكن يوماً قائماً على صوت فرد أو مجموعة محدودة، بل على قضية متجذرة في وجدان الملايين. ولذلك فإن محاولة إسكات الناشطين لن تؤدي إلى إسكات الشارع، كما أن التضييق على الإعلاميين والحقوقيين والناشطين لن يوقف تدفق المعلومات ولن يمنع الناس من التعبير عن مواقفهم.
إن المطلوب اليوم ليس توسيع دائرة الاعتقالات، بل فتح أبواب الحوار، واحترام الحريات العامة، وضمان حق المواطنين في التعبير السلمي، والكف عن استخدام القوة الأمنية لمعالجة قضايا سياسية وشعبية. فالقضايا الوطنية لا تُحل بالاعتقال، والأزمات السياسية لا تنتهي بالملاحقات، والمطالب الشعبية لا تُدفن خلف القضبان.
كما أن استمرار هذه السياسات يهدد بتوسيع الفجوة بين الشارع والجهات التي يفترض أن تكون مسؤولة عن حماية المواطنين، ويزيد من حالة الاحتقان التي تعيشها المحافظات الجنوبية في ظل تدهور الخدمات والأوضاع الاقتصادية والمعيشية. وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون حلولاً حقيقية لأزماتهم، يجدون أنفسهم أمام مشهد جديد من التضييق والاعتقالات، وكأن المطلوب منهم الصمت بدلاً من الحصول على حقوقهم.
لكن الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح هي أن اعتقال الأحرار لا يعتقل الفكرة، وملاحقة الناشطين لا تطارد القضية، وإغلاق المنابر لا يغلق أفواه الشعوب. فالكلمة الحرة قد تُحاصر، لكنها لا تموت، والموقف الوطني قد يتعرض للضغط، لكنه لا ينكسر، والإرادة الشعبية قد تواجه الصعوبات، لكنها قادرة على الاستمرار حتى تحقيق مطالبها المشروعة.
إن الناشطين الجنوبيين الأحرار ليسوا أعداءً لشعبهم، ولا خطراً على المجتمع، بل هم جزء من هذا المجتمع وصوت من أصواته. ومن يختلف معهم سياسياً يمكنه الرد بالحجة، ومن يرفض مواقفهم يستطيع مناقشتها، أما تحويل الخلاف السياسي إلى اعتقالات وملاحقات، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع دائرة الرفض.
وفي النهاية، فإن الجنوب الذي خرج أبناؤه في الساحات والميادين، وواجهوا سنوات طويلة من الضغوط والتحديات، لن يتراجع عن مطالبه لمجرد اعتقال ناشط أو التضييق على صوت. فالقضايا الكبرى لا تسقط بسقوط أصحابها في السجون، بل تتحول أحياناً إلى وقود جديد لمزيد من النضال.
إن اعتقال الناشطين الجنوبيين الأحرار يجب أن يكون جرس إنذار لكل من يراهن على الخوف، فالشعوب التي عرفت طريقها إلى الحرية لا تعود إلى الوراء، والجنوب الذي يرفع صوته اليوم لن يصمت غداً، لأن إرادة الشعوب أقوى منح القيود، وصوت الحق أبقى من السجون، والقضايا العادلة لا تُهزم بالاعتقالات.
فليُعتقل من يُعتقل، وليُحاصر من يُحاصر.. لكن صوت الجنوب سيظل حاضراً، لأن القضية ليست قضية ناشط واحد، بل قضية شعب يرفض أن يُصادر حقه في التعبير والكرامة وتقرير مصيره.