حين تنتفض الشعوب.. تسقط حسابات القوة: الجنوب يرفع صوته عالياً ويرفض الوصاية ويتمسك باستعادة دولته وعاصمته عدن

تقارير - 1 hour ago

عين الجنوب|| خاص:
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس قوة المشاريع السياسية بحجم ما تملكه من المال والسلاح والنفوذ، بقدر ما تُقاس بقدرتها على كسب الشعوب والاحتفاظ بثقتها وتحويل إرادتها إلى قوة سياسية وميدانية يصعب تجاوزها أو الالتفاف عليها.

فالتاريخ يؤكد أن الانتصارات الحقيقية لا تُصنع بمواجهة الشعوب، ولا تُفرض عليها من الخارج، بل تُبنى بالشراكة معها، وتستند إلى إرادتها، وتحظى بقبولها ودعمها.

ومن يخسر الحاضنة الشعبية، يخسر واحداً من أهم عناصر القوة، مهما امتلك من أدوات الضغط ومصادر التمويل وأشكال النفوذ. فالشعوب حين تتحول إلى قوة منظمة، وتخرج إلى الشوارع والميادين، وتعلن بوضوح تمسكها بأهدافها، فإنها تضع معادلة جديدة لا يمكن تجاهلها، وتبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن اختزالها في تفاهمات مغلقة أو ترتيبات سياسية تُصنع بعيداً عن أصحاب الحق.

وفي الجنوب، يبدو أن المشهد يدخل مرحلة جديدة مع تصاعد الحراك الشعبي واتساع رقعة الاحتجاجات الجماهيرية، حيث خرجت حشود ضخمة لتؤكد رفضها لأي شكل من أشكال الوصاية أو التدخلات الخارجية التي تنتقص من إرادة أبناء الجنوب أو تحاول فرض مسارات سياسية لا تنسجم مع تطلعاتهم الوطنية. مشهد جماهيري واسع يعكس، بحسب أنصاره، تمسكاً متجدداً بالحق في تقرير المصير واستعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن.

لم تعد الرسالة التي يبعث بها الشارع الجنوبي مجرد احتجاج عابر أو رد فعل مؤقت على أزمة سياسية أو اقتصادية، بل باتت تعبيراً عن تراكم طويل من المواقف والرفض الشعبي لما يعتبره الجنوبيون محاولات لإعادة إنتاج الوصاية، أو إدارة مستقبل الجنوب من خارج إرادته، أو استخدام قضيته كورقة في صراعات وتفاهمات إقليمية لا يكون الشعب الجنوبي طرفاً حقيقياً فيها.

ومع كل حشد جماهيري جديد، تتأكد حقيقة سياسية أساسية: أن الجنوب ليس فراغاً سياسياً يمكن ملؤه بقرارات خارجية، وليس ساحة مفتوحة لإعادة ترتيب النفوذ وفق مصالح الآخرين، كما أن مستقبل شعبه لا يمكن أن يكون رهينة لتفاهمات تُبرم بعيداً عن إرادته. فالقضية الجنوبية، كما يراها أنصارها، باتت قضية شعب يمتلك ذاكرة سياسية وتاريخاً وطنياً وتطلعات واضحة، ولم يعد من الممكن تجاوز هذه الحقيقة أو التعامل معها باعتبارها تفصيلاً هامشياً في أي تسوية سياسية.

إن الحشود التي تتدفق إلى الميادين لا تحمل رسالة سياسية واحدة فحسب، بل تبعث برسائل متعددة إلى مختلف الأطراف. رسالتها الأولى أن الشارع الجنوبي ما زال حاضراً، وأن محاولات إبعاده عن معادلة القرار لن تنجح.

ورسالتها الثانية أن أي مشروع سياسي لا يحظى بقبول شعبي واسع سيظل يواجه أزمة شرعية مهما امتلك من أدوات القوة. أما رسالتها الثالثة، فهي أن القضايا المصيرية لا تُحسم بالضغط ولا بالمال ولا بالترتيبات المؤقتة، وإنما بإرادة الشعوب التي تدفع ثمن الحروب والأزمات وتتحمل تبعات القرارات السياسية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحاضنة الشعبية باعتبارها العنصر الأكثر تأثيراً في معادلات الصراع السياسي. فالقوة العسكرية يمكن أن تحسم معركة، والمال قد يشتري الولاءات المؤقتة، والنفوذ قد يفرض ترتيبات مرحلية، لكن أياً من هذه الأدوات لا يستطيع صناعة استقرار دائم في مواجهة شعب يشعر بأن إرادته تُصادر أو أن مستقبله يُقرر بالنيابة عنه.

ولهذا فإن أي طرف يعتقد أن بإمكانه إدارة الجنوب عبر الضغط أو فرض الوصاية أو تجاهل المطالب الشعبية، إنما يراهن على معادلة أثبتت التجارب فشلها. فكلما زاد الضغط على الشعوب، زادت قدرتها على التماسك، وكلما جرى تجاهل مطالبها، تحولت تلك المطالب إلى حالة شعبية أكثر اتساعاً، وكلما حاولت القوى الخارجية فرض حلولها، ازدادت حساسية الشارع تجاه أي تدخل ينتقص من حقه في تحديد مستقبله.

وفي المقابل، فإن الطريق الأكثر واقعية نحو الاستقرار لا يمر عبر مواجهة الشارع الجنوبي أو محاولة احتوائه بالقوة، بل عبر احترام إرادته والاعتراف بحقه في أن يكون شريكاً حقيقياً في صياغة مستقبله السياسي.

فالشراكة مع الشعوب هي الطريق الأقصر لبناء الاستقرار، أما محاولة تجاوزها فهي وصفة مفتوحة للصراع والتوتر وعدم الاستقرار.

لقد أثبتت التطورات المتلاحقة أن الجنوب لم يعد يقبل أن يكون مجرد ورقة في صراعات الآخرين، أو مساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو طرفاً يُطلب منه تنفيذ ما يُقرر له دون أن يكون له رأي في تحديد مصيره.

فالشارع الجنوبي، وفق ما تعكسه الحشود والفعاليات الشعبية، يريد أن يكون صاحب القرار في قضيته، وأن تُحترم تطلعاته، وأن يُسمع صوته بوضوح في كل مسار سياسي يتصل بمستقبله.

ومن هنا، فإن المشهد الجماهيري المتصاعد يمثل اختباراً حقيقياً لكل القوى والأطراف التي تتعامل مع الجنوب. فإما أن تُدرك أن زمن فرض الوصاية قد ولى، وأن الشعوب أصبحت أكثر وعياً بحقوقها وأكثر قدرة على الدفاع عن خياراتها، وإما أن تستمر في تجاهل الحراك الشعبي، لتجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً، تكون فيه الفجوة بين المشاريع السياسية المفروضة والإرادة الشعبية أوسع من أي وقت مضى.

إن الجنوب الذي يخرج اليوم في حشود واسعة لا يرفع صوته ضد طرف بعينه فحسب، بل يعلن تمسكه بمبدأ أساسي: أن مستقبل الجنوب يجب أن يصنعه أبناؤه، وأن أي حل لا يضع إرادة الشعب في صدارة المعادلة سيظل ناقصاً ومهدداً بالفشل. فالدول لا تُبنى بالوصاية، والشرعية لا تُصنع بالمال، والاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل تُبنى الأوطان عندما يشعر الشعب بأن إرادته محترمة وأن صوته مسموع وأن مستقبله ليس موضوعاً للمساومة.

وفي قلب هذا المشهد، تظل عدن حاضرة باعتبارها عنواناً سياسياً ووطنياً ورمزاً مركزياً في الوجدان الجنوبي. فالتأكيد على استعادة الدولة وعاصمتها عدن يعكس، بالنسبة لأنصار المشروع الجنوبي، تمسكاً بمشروع سياسي يرون أنه يمثل تطلعاتهم التاريخية والوطنية، ويرفضون اختزاله في ترتيبات مؤقتة أو حلول لا تعالج جوهر القضية.

وهكذا، تتجه المعادلة نحو مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: لا استقرار حقيقياً من دون احترام إرادة الشعوب، ولا تسوية قابلة للحياة من دون الاعتراف بالقضايا الوطنية، ولا مستقبل يمكن فرضه على شعب يخرج إلى الميادين ليعلن بوضوح ما يريد.

فالانتصارات الحقيقية تُصنع بالشراكة مع الشعوب لا بمواجهتها، ومن يخسر الحاضنة الشعبية يخسر أهم عناصر القوة، مهما امتلك من المال والسلاح والنفوذ. وفي الجنوب، يبدو أن الشارع يوجه رسالة لا لبس فيها: أن القضية لم تنتهِ، وأن صوت الشعب لم يخفت، وأن التمسك باستعادة الدولة وعاصمتها عدن ما يزال حاضراً بقوة في صدارة المشهد.

الجنوب ينتفض.. والرسالة الأهم أن إرادة الشعوب لا يمكن إلغاؤها، وأن أي مستقبل يُراد له أن يكون مستقراً، لا بد أن يُبنى على احترام إرادة الشعب، لا على فرض الوصاية عليه.