الجنوب في عين العاصفة… صراع المشاريع وتقاطعات النفوذ الإقليمي

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
تتسارع التطورات السياسية في المشهد المحلي وسط مؤشرات متزايدة على إعادة تشكيل موازين القوى، في وقت يزداد فيه الجدل حول مستقبل الجنوب ومشروعه السياسي. فمع صدور بيان مشترك عن المملكة العربية السعودية وتركيا يتحدث عن “مواجهة أي مشروع لتقسيم اليمن”، اتجهت الأنظار جنوبًا، حيث يُنظر إلى هذا الموقف باعتباره رسالة سياسية لا تخلو من الدلالات، خصوصًا في ظل تصاعد الخطاب المطالب باستعادة الدولة الجنوبية.
في الأوساط السياسية الجنوبية، لم يُقرأ البيان باعتباره موقفًا دبلوماسيًا عامًا فحسب، بل فُسّر ضمن سياق أوسع من التحولات الجارية، حيث يرى مراقبون أن المشروع الوحيد المطروح بوضوح على طاولة النقاش الإقليمي هو مشروع استعادة دولة الجنوب، وهو ما يجعل أي حديث عن “رفض التقسيم” مرتبطًا مباشرة به، سواء أُعلن ذلك صراحة أم بقي في إطار الرسائل غير المباشرة.
بالتوازي مع ذلك، برزت سلسلة من التعيينات والتحركات السياسية التي اعتبرها متابعون مؤشرًا على تحول في إدارة الملف الجنوبي، لا سيما مع صعود شخصيات محسوبة على تيارات إسلامية سياسية إلى مواقع حساسة في المؤسستين العسكرية والسياسية. ويذهب البعض إلى أن هذا المسار يعكس توجهًا لإعادة ترتيب النفوذ داخل المحافظات الجنوبية، بما ينسجم مع رؤية قوى إقليمية تسعى لإعادة هندسة المشهد بما يخدم توازناتها الخاصة.
وفي خضم هذه التحولات، تصاعدت حملات إعلامية استهدفت المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يُعد أبرز حامل سياسي لمشروع استعادة الدولة الجنوبية، حيث واجه المجلس انتقادات حادة واتهامات متكررة في وسائل إعلام محسوبة على أطراف سياسية مختلفة. ويرى أنصاره أن تلك الحملات تأتي في إطار محاولة إضعافه سياسيًا وتشويه حضوره الشعبي، بينما تعتبر أطراف أخرى أن الانتقالي جزء من حالة الاستقطاب القائمة ويتحمل نصيبه من مسؤولية التوتر.
وفي السياق ذاته، طالت الحملات الإعلامية الإمارات العربية المتحدة، التي لعبت دورًا بارزًا في الجنوب خلال السنوات الماضية، حيث وُجهت إليها اتهامات متعددة في ملفات أمنية وسياسية. غير أن حضور الإمارات في المشهد الجنوبي ظل محل انقسام بين من يراه دعمًا للاستقرار ومواجهة للجماعات المتشددة، ومن يعتبره امتدادًا لصراع نفوذ إقليمي يتجاوز حدود الداخل.
أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد عادت إلى واجهة النقاش بقوة، مع اتهامات بتمكينها سياسيًا وعسكريًا في بعض المحافظات الجنوبية. ويشير مراقبون إلى أن الخطاب الديني المُسيّس وفتاوى مثيرة للجدل صدرت عن شخصيات محسوبة على هذا التيار، ما زاد من حدة الاستقطاب وأثار مخاوف من انزلاق الصراع إلى مربعات أيديولوجية خطرة. في المقابل، ينفي أنصار التيار وجود مشروع أحادي للهيمنة، معتبرين أن ما يجري هو إعادة تموضع سياسي طبيعي في سياق صراع مفتوح منذ سنوات.
المشهد برمته يعكس تداخلًا معقدًا بين المحلي والإقليمي، حيث لم يعد الجنوب مجرد ساحة داخلية، بل بات نقطة تقاطع لمصالح وتحالفات متشابكة. فالصراع لم يعد يدور فقط حول حدود جغرافية أو مطالب سياسية، بل حول شكل الدولة، وهوية السلطة، وطبيعة التحالفات القادمة. وفي ظل هذا التعقيد، تبدو المخاوف من تحويل الجنوب إلى ساحة تصفية حسابات أيديولوجية أمرًا حاضرًا في خطاب شريحة واسعة من الشارع.
ورغم حدة السجال، تبقى الحقيقة أن الجنوب يمتلك خصوصية سياسية وتاريخية جعلت قضيته حاضرة بقوة في كل منعطف. فالحشود الشعبية التي خرجت في مناسبات متعددة، والخطاب المتصاعد حول حق تقرير المصير، تعكس حالة وعي سياسي متنامٍ، لكنه يواجه تحديات تتعلق بتوحيد الصف، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة، وكسب الاعتراف الإقليمي والدولي.
التطورات الأخيرة توحي بأن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمختلف القوى الفاعلة. فإما أن تتجه الأمور نحو صيغة تفاهمات توازن بين المصالح الإقليمية والإرادة المحلية، أو يتعمق الاستقطاب بما يفتح الباب أمام جولات جديدة من الصراع السياسي وربما الأمني. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان الجنوب سيُمنح فرصة صياغة مستقبله وفق إرادة أبنائه، أم سيظل رهينة تقاطعات أكبر من حدوده.
في النهاية، لا يمكن اختزال ما يجري في قرار واحد أو بيان مشترك، فالمشهد أوسع وأعقد من ذلك بكثير. إنه صراع مشاريع، تتقاطع فيه الحسابات الاستراتيجية مع الطموحات الشعبية، وتتشابك فيه الأوراق المحلية مع الإقليمية. والجنوب، الذي ظل حاضرًا في قلب المعادلة، يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث سيحدد شكل التعاطي مع هذه التحولات ملامح المرحلة القادمة، وربما مستقبل المنطقة بأسرها.

فيديو