بين نار واشنطن وظلال طهران: هل يشعل محمد بن سلمان فتيل المواجهة أم يمسك بخيوط التهدئة؟

السياسة - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات المحلية، يبرز اسم محمد بن سلمان كأحد أبرز اللاعبين في معادلة معقدة تتعلق بمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي العلاقة التي لا تزال تتأرجح بين حافة التصعيد وإمكانية الاحتواء. السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية ليس فقط عن نوايا واشنطن أو ردود طهران، بل عن موقع الرياض، ودور ولي عهدها، في لحظة قد تعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة.
منذ سنوات، تبنت السعودية بقيادة بن سلمان سياسة أكثر براغماتية، تقوم على مبدأ تقليل المخاطر وفتح قنوات متعددة بدل الارتهان لمحور واحد. فبعد مرحلة من التصعيد الحاد مع إيران، شهدت العلاقات بين البلدين تحولًا لافتًا تُوّج باتفاق استئناف العلاقات بوساطة الصين، وهو ما عكس إدراكًا سعوديًا متزايدًا بأن الانخراط في مواجهة مفتوحة مع طهران يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية يصعب تحملها، خصوصًا في ظل مشاريع داخلية ضخمة مثل “رؤية 2030”.
في هذا السياق، تبدو حسابات بن سلمان مختلفة عن تلك التي قد تدفع نحو تأجيج الصراع. فالرجل الذي يسعى إلى تحويل بلاده إلى مركز اقتصادي عالمي يدرك أن أي حرب واسعة في الخليج، خصوصًا تلك التي قد تشمل مضيق هرمز، ستقوض الاستقرار الإقليمي، وتضرب أسواق الطاقة، وتضع السعودية في قلب دائرة الخطر. ولذلك، فإن ما يظهر على السطح من تقارب سعودي-أمريكي لا يعني بالضرورة تبني خيار الحرب، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تموضع يوازن بين الشراكة الأمنية مع واشنطن والانفتاح الحذر على طهران.
في المقابل، لا يمكن تجاهل طبيعة العلاقة التاريخية بين السعودية والولايات المتحدة، والتي تقوم على تبادل المصالح الأمنية والاقتصادية. فواشنطن لا تزال ترى في الرياض حليفًا رئيسيًا في المنطقة، خاصة في مواجهة النفوذ الإيراني. غير أن التجارب السابقة، من العراق إلى أفغانستان، جعلت صناع القرار في الخليج أكثر حذرًا من الانخراط في مغامرات عسكرية قد لا تكون نتائجها مضمونة. ومن هنا، فإن دعم السعودية لأي تحرك أمريكي ضد إيران، إن حدث، سيكون على الأرجح محدودًا ومحسوبًا بدقة، بعيدًا عن الانخراط المباشر في صراع مفتوح.
أما إيران، فهي الأخرى تدرك أن السعودية لم تعد ذلك الخصم التقليدي الذي يمكن استفزازه بسهولة. فالتقارب الأخير بين البلدين، رغم هشاشته، خلق مساحة من التهدئة التي يصعب على الطرفين التفريط بها دون حسابات دقيقة. ولذلك، فإن أي تصعيد أمريكي ضد طهران لن يُترجم تلقائيًا إلى اصطفاف سعودي كامل، بل ربما يدفع الرياض إلى لعب دور الوسيط أو الموازن، بدل أن تكون طرفًا في المواجهة.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن محمد بن سلمان لا يسعى إلى إشعال لهيب الحرب، بل يعمل على تفاديها قدر الإمكان، مع الحفاظ على موقع بلاده كقوة إقليمية مؤثرة قادرة على المناورة بين القوى الكبرى. فالتصعيد، وإن بدا خيارًا مطروحًا في بعض الدوائر، لا يخدم بالضرورة الأجندة السعودية الحالية، التي تضع الاستقرار والتنمية في مقدمة أولوياتها.
ومع ذلك، تبقى المنطقة رهينة مفاجآت السياسة، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب أن يجر الجميع إلى مواجهة لا يريدها أحد. وبين هذا وذاك، يظل دور الرياض، وولي عهدها، محوريًا في ترجيح كفة التهدئة أو الانزلاق نحو المواجهة، في لعبة توازن دقيقة تُدار على حافة الهاوية.

فيديو