تحليل : بين حسابات الإقليم وحقائق الميدان… هل أخطأت الشقيقة الكبرى في قراءة قضية شعب الجنوبية؟

دراسات وتحليلات - منذ 14 ساعة

عدن، خاص، عين الجنوب 

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها اليمن، والجنوب على وجه الخصوص تبرز القضية الجنوبية كواحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، ليس فقط على مستوى الداخل، بل في إطار التوازنات الإقليمية التي تتشابك فيها المصالح وتتصادم فيها الرؤى. وبينما كان يُنتظر من السعودية، بوصفها الفاعل الأبرز في المشهد اليمني، أن تتعامل مع هذا الملف بقدر أكبر من المرونة السياسية والقراءة الدقيقة للمتغيرات، تكشف الوقائع عن فجوة آخذة في الاتساع بين سياساتها المعتمدة وبين ما أفرزته التطورات على الأرض.
منذ سنوات، اعتمدت السعودية مقاربة تقوم على الحفاظ على شكل الدولة اليمنية الموحدة، باعتبار ذلك خيارًا يحد من مخاطر التفكك والفوضى، غير أن هذه الرؤية، التي قد تبدو منطقية في سياقها النظري، اصطدمت بواقع مختلف تمامًا، حيث تغيّرت موازين القوى، وبرزت على الأرض قوى جنوبية تمتلك حضورًا سياسيًا وعسكريًا لا يمكن تجاهله. ومع ذلك، بدا أن التعاطي مع هذه التحولات ظل محكومًا بذات الأدوات القديمة، وكأن المشهد لم يتبدل، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول مدى دقة القراءة السعودية لطبيعة الصراع وتعقيداته.
في المقابل، لم يكن الجنوب مجرد طرف عابر في هذه المعادلة، بل شكّل خلال السنوات الماضية عنصرًا فاعلًا في تثبيت الأمن ومواجهة التحديات، ونجح في فرض نفسه كرقم صعب لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن أي تسوية مستقبلية. إلا أن هذا الحضور، وفق ما يراه كثير من المراقبين، لم يُترجم إلى اعتراف سياسي يتناسب مع حجمه، بل على العكس، بدت بعض السياسات وكأنها تميل إلى إعادة إنتاج قوى تقليدية فقدت الكثير من تأثيرها، في محاولة لإعادة ضبط المشهد وفق معادلات سابقة لم تعد قائمة.
هذا التوجه، وإن كان يُبرَّر أحيانًا بضرورات التوازن أو إدارة المرحلة، إلا أنه يحمل في طياته إشكالية أعمق، تتعلق بمدى القدرة على بناء استقرار حقيقي دون الاعتراف بالحقائق الجديدة. فإعادة تدوير أدوات قديمة في بيئة متغيرة لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج مستقرة، بل قد يسهم في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل، خاصة إذا ما ترافق ذلك مع تهميش قضايا جوهرية مثل القضية الجنوبية، التي لم تعد مجرد مطلب سياسي محدود، بل تحوّلت إلى واقع متجذر في وعي شريحة واسعة من السكان.
في سياق متصل، فرضت التحديات الأمنية، وفي مقدمتها الصراع مع الحوثيين، أولويات مختلفة على صانع القرار السعودي، حيث أصبح التركيز منصبًا على بناء جبهة عريضة تضم أطرافًا متعددة، حتى وإن كانت بينها تناقضات واضحة. غير أن هذا النهج، الذي يهدف إلى احتواء الخطر الأكبر، أفرز في المقابل اختلالًا في ترتيب الأولويات، إذ جرى التعامل مع بعض الملفات السياسية بوصفها قابلة للتأجيل، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مسار القضية الجنوبية.
ومع مرور الوقت، أخذت ملامح هذا الاختلال تتضح بشكل أكبر، حيث بدا أن إدارة الأزمة تتقدم على معالجتها، وأن الحلول المرحلية تحل محل الرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى تعميق فجوة الثقة بين الجنوب والقوى الإقليمية، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.
ورغم أن السعودية لا تنطلق في سياساتها من موقف عدائي تجاه الجنوب بقدر ما تتحرك وفق حسابات أمنية واستراتيجية معقدة، إلا أن تجاهل خصوصية القضية الجنوبية أو التقليل من وزنها الفعلي على الأرض قد يفضي إلى نتائج عكسية، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية سريعة التغير لا تحتمل الكثير من الأخطاء في التقدير. فالمعادلات التي كانت قائمة قبل سنوات لم تعد صالحة بذات الشكل، والرهان على استعادتها قد لا يكون خيارًا واقعيًا في ظل المعطيات الحالية.
في ضوء ذلك، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم شاملة للسياسات المتبعة، تقوم على قراءة أكثر واقعية للمشهد، وتستند إلى الاعتراف بأن الجنوب لم يعد مجرد ملف ثانوي يمكن تأجيله، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في أي معادلة تبحث عن الاستقرار. إن تجاهل هذه الحقيقة أو التعامل معها بمنطق مرحلي قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى حلول جذرية تعالج الأسباب لا النتائج.
وفي المحصلة، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بموقف السعودية من القضية الجنوبية، بل بمدى قدرتها على التكيف مع واقع جديد يفرض نفسه بقوة على الأرض. فبين حسابات الإقليم وحقائق الميدان، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ويظل نجاح أي مقاربة مرهونًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين المصالح الاستراتيجية والاعتراف بالتحولات التي لم يعد من الممكن القفز فوقها أو تجاهلها.

فيديو