تحليل : تفاهمات مسقط.. على حساب الجنوب؟

دراسات وتحليلات - منذ 4 ساعات

عين الجنوب|| خاص              

في الوقت الذي تتسارع فيه التحركات الإقليمية والدولية لإغلاق ملف الحرب اليمنية، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تبدو فيها “تفاهمات مسقط” أكثر من مجرد ترتيبات لوقف التصعيد أو تبادل الأسرى، بل مشروع إعادة صياغة كاملة لمعادلة النفوذ في اليمن والمنطقة. وبينما يجري تسويق هذه التفاهمات باعتبارها خطوة نحو السلام، يزداد القلق في الأوساط الجنوبية من أن تتحول إلى تسوية تُفرض بقوة الأمر الواقع، تُمنح فيها جماعة الحوثي مكاسب سياسية واقتصادية واسعة، مقابل تراجع واضح للقضية الجنوبية من واجهة المشهد.
المعطيات المتداولة حول التفاهمات تشير إلى أن جماعة الحوثي استطاعت انتزاع اعتراف غير مباشر بكونها الطرف الأقوى والأكثر حضورًا على الأرض. فالاتفاق على ملفات مثل “الكل مقابل الكل” في قضية الأسرى، ودفع المرتبات، وفتح الموانئ والمطارات، لا يُقرأ فقط كبنود إنسانية، بل كمؤشرات سياسية تمنح الجماعة شرعية عملية تتجاوز سنوات الحرب والعزلة. والأهم من ذلك أن الحديث المتصاعد عن تعويضات وإعادة إعمار، يكشف أن القوى الإقليمية بدأت تتعامل مع الحوثي باعتباره شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات قادمة.
على المستوى العسكري، تبدو الخارطة وقد أعيد رسمها بالكامل. فالحوثي لم يعد مجرد جماعة متمردة تسيطر على أجزاء من الشمال، بل سلطة تمتلك مؤسسات، واقتصاد حرب، ونفوذًا جغرافيًا يمتد على معظم المناطق الحيوية شمالًا. ومع كل جولة تفاوض جديدة، يتكرس هذا الواقع أكثر، بينما تتراجع القوى المناوئة له سياسيًا وعسكريًا، وفي مقدمتها ما يسمى بـ”الشرعية”، التي تبدو اليوم أقرب إلى كيان فقد تأثيره الفعلي، وبات حضوره مرتبطًا بالدعم الخارجي أكثر من ارتباطه بقدرة حقيقية على إدارة المعركة أو فرض مشروع سياسي متماسك.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز الجنوب بوصفه الحلقة الأكثر هشاشة في معادلة التفاهمات. فالقضية الجنوبية، التي كانت لعقود واحدة من أكثر القضايا حضورًا في المشهد اليمني، تبدو اليوم خارج غرف التفاوض الرئيسية، رغم أن مستقبل الجنوب يمثل أحد أعقد الملفات وأكثرها حساسية. هذا الغياب يثير مخاوف متزايدة من أن تكون التفاهمات الجارية مقدمة لإعادة إنتاج صيغة سياسية تعيد الجنوب إلى دائرة التبعية، دون أي ضمانات حقيقية تعترف بتطلعات الجنوبيين أو بحقهم في تقرير مستقبلهم.
ويرى مراقبون أن أخطر ما في تفاهمات مسقط ليس فقط ما يُعلن عنها، بل ما قد يُدار خلف الكواليس من ترتيبات تتعلق بإعادة توزيع النفوذ والثروة. فمع تراجع الدور العسكري للتحالف، وتنامي الحديث عن انسحاب تدريجي من بعض المناطق الجنوبية، تتزايد الشكوك حول طبيعة المرحلة القادمة، وما إذا كانت ستشهد ضغوطًا لإعادة دمج الجنوب في تسوية شاملة تُبقي مراكز القوة التقليدية قائمة، ولكن بواجهة مختلفة.
كما أن التحركات الاقتصادية المصاحبة للتفاهمات تثير تساؤلات واسعة، خصوصًا مع الحديث عن نقل مؤسسات سيادية كالبنك المركزي، أو إعادة ترتيب ملفات النفط والموارد، وهي خطوات يراها كثيرون محاولة لإعادة بناء مركز نفوذ اقتصادي جديد يمنح الحوثيين أفضلية إضافية في أي معادلة قادمة. وفي المقابل، تبدو المناطق الجنوبية، رغم ما تمتلكه من ثروات وموانئ وموقع استراتيجي، مهددة بالدخول في مرحلة من الفوضى السياسية والاقتصادية إذا لم تتمكن من فرض نفسها كطرف رئيسي في أي تسوية.
اللافت أيضًا أن هذه التفاهمات تأتي في توقيت إقليمي حساس، حيث تسعى دول المنطقة إلى تخفيف بؤر التوتر والانفتاح على تسويات طويلة الأمد، حتى وإن كانت على حساب بعض الملفات المعقدة. وفي هذا السياق، يبدو أن الأولوية بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية لم تعد مرتبطة بحسم الصراع عسكريًا، بل بضمان أمن الملاحة والطاقة ووقف الهجمات العابرة للحدود، وهو ما يمنح الحوثي فرصة لتعزيز موقعه، طالما أنه قادر على تقديم ضمانات تتعلق بهذه المصالح.
لكن رغم كل ذلك، لا تبدو الطريق نحو “السلام” ممهدة بالكامل. فالتفاهمات التي تقوم على اختلال كبير في توازن القوى قد تحمل في داخلها بذور صراعات جديدة، خصوصًا إذا جرى تجاهل القضايا الجوهرية وعلى رأسها القضية الجنوبية. فإقصاء أي طرف يمتلك حضورًا شعبيًا وسياسيًا على الأرض لن يؤدي إلى استقرار دائم، بل قد يخلق موجات جديدة من التوتر والصدام، وربما يعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا.
وبين مشهد التفاهمات والصفقات والتحولات الكبرى، يبقى السؤال الأبرز: هل تُصاغ نهاية الحرب فعلًا في مسقط، أم أن ما يجري ليس سوى إعادة ترتيب مؤقتة لموازين القوى، قد تؤجل الانفجار القادم بدلًا من منعه؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه التفاهمات ستتحول إلى بوابة سلام حقيقي، أم إلى خنجر جديد يُغرس في خاصرة الجنوب وقضيته السياسية.

فيديو