الجنوب يواجه أوصياء السياسة…بصوت شعبه وإرادته

تقارير - منذ 4 ساعات

عدن، عين الجنوب|| خاص       

في خضم التحولات السياسية التي تعيشها المنطقة، عاد خطاب “الوصاية” على الجنوب ليظهر مجددًا، لكن هذه المرة بأدوات أكثر نعومة، تتخفّى خلف شعارات “النصيحة” و”التعددية” و”الشراكة السياسية”، بينما يحمل في جوهره ذات العقلية القديمة التي اعتادت النظر إلى الجنوب باعتباره ساحة يجب توجيهها لا شريكًا يمتلك إرادته وقراره السياسي.
وخلال السنوات الماضية، أثبت الواقع أن الجنوب لم يعد ذلك الكيان الصامت الذي يمكن تمرير المشاريع فوق إرادته أو مصادرة صوته عبر خطابات النخب التقليدية أو القوى التي اعتادت احتكار الحديث باسم الدولة والوطنية. فالمشهد الجنوبي اليوم، بكل تعقيداته واختلافاته، يعكس حالة سياسية أكثر حيوية وانفتاحًا من كثير من البيئات التي تحاول إعطاء الجنوبيين دروسًا في الديمقراطية والتعددية.
ويرى مراقبون أن المفارقة الكبرى تكمن في أن بعض الجهات التي تتحدث عن “الدولة المدنية” و”التنوع السياسي” لا تزال في واقعها الداخلي تُدار بعقلية الصوت الواحد والطاعة المطلقة، فيما تتعامل مع أي رأي مخالف باعتباره تهديدًا أو خروجًا عن الصف. وفي المقابل، يظهر الجنوب اليوم كساحة مفتوحة للنقاش والخلاف والتنافس السياسي والإعلامي، وهو ما يعكس تطورًا في الوعي السياسي لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه.
ويؤكد متابعون للشأن الجنوبي أن النقد السياسي داخل الجنوب أمر طبيعي ومشروع، بل إنه أحد مظاهر النضج السياسي، غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا النقد إلى محاولة فرض وصاية خارجية أو إعادة إنتاج عقلية “الوصي” الذي يمنح نفسه حق تقييم الجنوبيين وتحديد ما يناسبهم سياسيًا ووطنياً.
كما يشير كثير من الجنوبيين إلى أن بعض القوى التي تتحدث باستمرار عن “التبعية” و”الاستقلالية” لا تجرؤ في الوقت نفسه على فتح ملفات القرار السياسي داخل بيئاتها الخاصة، أو مناقشة حجم التأثيرات الخارجية على مراكز القرار فيها، الأمر الذي يجعل خطابها تجاه الجنوب فاقدًا للكثير من المصداقية.
ويرى محللون أن ما تغيّر اليوم ليس فقط شكل الخطاب الجنوبي، بل طبيعة الوعي الشعبي أيضًا، فالأجيال الجديدة باتت أكثر إدراكًا لمحاولات إعادة تدوير المشاريع القديمة تحت عناوين جديدة، وأكثر حساسية تجاه أي خطاب يحمل نبرة الاستعلاء أو الانتقاص من حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم.
وفي ظل هذه التحولات، لم يعد من السهل تمرير فكرة أن الجنوب بحاجة دائمة إلى “مرشد سياسي” أو “وصي خارجي” يحدد له أولوياته ومساراته. فالجنوب الذي خاض سنوات طويلة من الصراع والتعقيدات السياسية والعسكرية بات يمتلك خبرة سياسية متراكمة، كما أن قضاياه لم تعد تُدار بعقلية التبعية، بل بمنطق الشراكة القائمة على الندية واحترام الإرادة الشعبية.
ويؤكد متابعون أن محاولات بعض الأطراف الاستمرار في مخاطبة الجنوب بعقلية الوصاية لم تعد تحقق التأثير ذاته كما كان في السابق، بل أصبحت تُقابل برفض واسع، خصوصًا مع تنامي الشعور بأن أي مشروع لا ينطلق من احترام خصوصية الجنوب وقضيته السياسية محكوم عليه بالفشل مهما حاول التجمّل بالشعارات.
وبينما تستمر النقاشات حول مستقبل المنطقة وترتيبات المرحلة القادمة، يبدو أن الرسالة التي يكررها كثير من الجنوبيين اليوم باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: الجنوب ليس قاصرًا حتى تُفرض عليه الوصاية الأبدية، ومن حق أبنائه وحدهم تحديد خياراتهم السياسية ورسم مستقبلهم بعيدًا عن عقلية الإملاء والتوجية.

فيديو