«الصقر والنعامة».. مادة تلفزيونية إماراتية تشعل جدلاً خليجياً واسعاً حول الموقف من إيران

السياسة - منذ 1 ساعة

عدن ، خاص|| عين الجنوب

أثارت مادة بثها تلفزيون أبوظبي الرسمي موجة واسعة من التفاعل والجدل في الأوساط السياسية والإعلامية العربية، بعد تناولها للمواقف الخليجية تجاه التصعيد الإقليمي مع إيران بطريقة وصفها متابعون بأنها حملت رسائل سياسية غير مباشرة، لكنها شديدة الوضوح في دلالاتها. وبينما ظهرت الإمارات داخل المادة بصورة “الصقر الشاهين” القادر على المواجهة والتحليق بثبات وسط العواصف، رأى كثيرون أن السعودية وُضعت بصورة رمزية أقرب إلى “النعامة” التي تتجنب الصدام وتفضّل الانحناء أمام التوترات الإقليمية بدلاً من مواجهتها.
المادة التي جرى تداول مقاطع منها بشكل واسع على منصات التواصل لم تمر كأي تقرير إعلامي عابر، بل تحولت خلال ساعات إلى محور نقاش سياسي حاد، خصوصاً مع حساسية العلاقة بين الرياض وأبوظبي، وتعقيدات الملف الإيراني الذي ظل لسنوات أحد أكثر الملفات تأثيراً في شكل التحالفات الخليجية ومساراتها.
ورغم أن التقرير التلفزيوني لم يذكر السعودية بشكل مباشر ضمن هذا الوصف، إلا أن الإيحاءات البصرية والرسائل الرمزية دفعت كثيرين إلى اعتبار أن المادة تعكس تحوّلاً في الخطاب الإعلامي الخليجي، وانتقاله من مرحلة المجاملة السياسية إلى مرحلة التعبير الأكثر صراحة عن اختلاف الرؤى تجاه ملفات المنطقة.
اللافت أن الجدل لم يكن حول مضمون التقرير فقط، بل حول توقيته أيضاً، إذ جاء في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وعودة الحديث عن شكل الاصطفافات الخليجية الجديدة، وحدود التقارب أو التباعد بين العواصم الكبرى في مجلس التعاون. فالإمارات، بحسب مراقبين، تحاول منذ سنوات تقديم نفسها باعتبارها الدولة الأكثر حضوراً وحزماً في ملفات الأمن الإقليمي، سواء عبر تحركاتها السياسية أو نفوذها الاقتصادي والعسكري، بينما اختارت السعودية خلال المرحلة الأخيرة نهجاً أكثر هدوءاً يقوم على خفض التصعيد والانفتاح على التفاهمات، بما في ذلك التقارب مع طهران برعاية صينية.
هذا التباين في المقاربات فتح الباب أمام تفسيرات متعددة للمادة الإعلامية المثيرة للجدل. فهناك من رأى أنها مجرد معالجة إعلامية تحمل طابعاً حماسياً، بينما اعتبر آخرون أنها رسالة سياسية مبطنة تعكس وجود تباين حقيقي داخل البيت الخليجي بشأن كيفية إدارة العلاقة مع إيران، وحدود المواجهة أو التهدئة معها.
وفي مواقع التواصل، انقسمت الآراء بشكل لافت. ففريق اعتبر أن الإمارات تمارس حقها في التعبير عن رؤيتها السياسية وتقديم نفسها كقوة إقليمية تمتلك مشروعاً واضحاً في حماية مصالحها، بينما رأى فريق آخر أن المقارنة الرمزية حملت إساءة غير مبررة للسعودية، خاصة أن الرياض ما تزال تمثل الثقل الأكبر خليجياً وعربياً، وأن سياسات التهدئة التي تتبعها ليست ضعفاً بل محاولة لتجنب انفجار إقليمي واسع قد يدفع الجميع ثمنه.
الجدل تجاوز حدود الإعلام إلى النقاش حول مستقبل العلاقات الخليجية نفسها، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة تتعدد فيها مراكز القرار والرؤى الاستراتيجية، بعد سنوات طويلة كانت فيها السياسات الخليجية تتحرك ضمن إطار أكثر تقارباً وتنسيقاً. كما أعاد الجدل التذكير بحالة التنافس الناعم بين العاصمتين الخليجيتين في ملفات النفوذ والاستثمار والدور الإقليمي، وهي المنافسة التي تظهر أحياناً بهدوء دبلوماسي، وأحياناً أخرى عبر رسائل إعلامية لا تخطئها العيون.
ويرى مراقبون أن أخطر ما كشفته هذه الضجة ليس مجرد توصيف إعلامي عابر، بل حجم الحساسية المتزايدة داخل الشارع الخليجي تجاه أي إشارة يمكن أن تُفهم باعتبارها انتقاصاً من دور دولة محورية في المنطقة. فالجمهور الخليجي بات يتعامل مع الإعلام السياسي بوصفه امتداداً للصراع الناعم بين المشاريع الإقليمية، وليس مجرد مساحة للتحليل أو التعليق.
وفي ظل الصمت الرسمي وعدم صدور أي تعليق مباشر حول الجدل المتصاعد، تستمر المادة التلفزيونية في إثارة النقاش، وسط تساؤلات عما إذا كانت مجرد اجتهاد إعلامي فردي، أم أنها تعكس بالفعل ملامح مرحلة جديدة في الخطاب السياسي الخليجي، مرحلة لم تعد فيها الرسائل تُقال بلغة البيانات الرسمية فقط، بل أيضاً عبر الرموز والصور والاستعارات التي قد تحمل من الدلالات أكثر مما تقوله الكلمات نفسها.

فيديو