تحليل : بين نشوة السيطرة وعودة العاصفة… الجنوب أمام لحظة فاصلة بين حلم الدولة وكوابيس الصراع القادم

دراسات وتحليلات - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                    
لم يكن الثالث من ديسمبر 2025 يوماً عادياً في ذاكرة الجنوبيين. ففي ذلك اليوم أعلنت القوات المسلحة الجنوبية بسط سيطرتها على كامل تراب الجنوب، في حدث اعتبره كثيرون تتويجاً لمسار طويل من الصراع السياسي والعسكري الممتد منذ حرب صيف 1994، تلك الحرب التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة بقدر ما كانت نقطة تحول حاسمة أنهت مشروع الوحدة الطوعية كما كان يُفترض أن يكون، وفتحت الباب أمام مرحلة معقدة من الصدامات السياسية والعسكرية بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل اليمن والجنوب معاً.
فمنذ تلك اللحظة التاريخية تشكّل صراع طويل بين مشروع يرى في الوحدة قدراً سياسياً لا يجوز المساس به مهما كانت الظروف، ومشروع آخر يؤكد أن ما حدث بعد الحرب لم يكن سوى إلغاء لإرادة شعب وفرض واقع بالقوة، وهو واقع حوّل الجنوب لاحقاً إلى ساحة مفتوحة للتنافس على السلطة والثروة والهوية السياسية.
وعندما انتشر خبر سيطرة القوات الجنوبية على كامل الأرض الجنوبية في ذلك اليوم من ديسمبر، بدا المشهد في مدن الجنوب وقراه وكأنه لحظة انتصار طال انتظارها. من جبال الضالع الصلبة إلى سواحل عدن وحضرموت، ومن وديان أبين إلى صحارى المهرة البعيدة، عادت إلى الواجهة مشاعر قديمة من الأمل والثقة بإمكانية استعادة القرار السياسي والعسكري، بعد سنوات طويلة شعر فيها كثير من الجنوبيين بأن قضيتهم أصبحت رهينة لصراعات إقليمية وحسابات دولية أكبر من حدود الجغرافيا المحلية.
الشوارع امتلأت بمظاهر الفرح، وارتفعت الأعلام الجنوبية في الساحات العامة، وتحولت المجالس والأسواق إلى فضاءات للنقاش السياسي حول سؤال واحد ظل يتكرر في كل مكان: هل اقتربت فعلاً لحظة استعادة الدولة الجنوبية؟
غير أن التاريخ في هذه المنطقة نادراً ما يسمح لمثل هذه اللحظات بأن تعيش طويلاً في هدوء. فبعد أسابيع قليلة فقط بدأت ملامح تصعيد جديد تطفو على السطح، لكن هذه المرة في سياق أكثر تعقيداً من أي مرحلة سابقة. لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية واضحة المعالم، بل تحول إلى شبكة معقدة من الحسابات السياسية والأمنية التي تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية بطريقة تعيد رسم خريطة النفوذ في اليمن والجنوب على حد سواء.
وفي خضم هذه التحولات برزت مؤشرات على تقارب غير مباشر بين أطراف الحرب اليمنية التقليدية، أي القوى الحوثية من جهة والشرعية اليمنية من جهة أخرى، في سياق تفاهمات سياسية وأمنية يُعتقد أن السعودية تلعب دوراً محورياً في صياغتها. هذه التفاهمات، التي تُطرح تحت عنوان إنهاء الحرب اليمنية، تُفسَّر في الأوساط الجنوبية باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بطريقة قد تعيد تثبيت النفوذ اليمني في الجنوب، ولو عبر صيغ جديدة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في السابق.
فالتقارب السياسي بين أطراف الحرب لا يُنظر إليه فقط كخطوة نحو السلام، بل أيضاً كجزء من عملية إعادة توزيع للنفوذ والسيطرة على الجغرافيا والثروات في مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا السياق بدأت تحركات عسكرية لافتة تظهر في مناطق استراتيجية، خصوصاً في حضرموت، ترافقها حوادث أمنية دامية زادت من حدة التوتر في الشارع الجنوبي.
هذه التحركات لم تُقرأ محلياً باعتبارها مجرد انتشار عسكري عابر أو إجراءات أمنية روتينية، بل جرى تفسيرها على نطاق واسع كجزء من صراع أكبر على الموارد الطبيعية وعلى النفوذ السياسي في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في الجنوب. فحضرموت، بما تمتلكه من ثروات نفطية وغازية وموقع جغرافي استراتيجي، أصبحت محوراً أساسياً في حسابات القوى المحلية والإقليمية على حد سواء.
القراءة الجنوبية لهذه التطورات ترى أن ما يجري لا يقتصر على خلافات سياسية أو تنافس عسكري محدود، بل يمثل سباقاً مبكراً للسيطرة على الثروة قبل أن تُحسم طبيعة التسوية السياسية النهائية في اليمن. فالمناطق الشرقية من الجنوب تمثل عقدة جغرافية واقتصادية شديدة الحساسية، والسيطرة عليها تعني امتلاك مفاتيح الطاقة والنفوذ في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
غير أن تعقيدات المشهد لا تتوقف عند حدود الداخل. فالتغيرات التي طرأت على مواقف القوى الإقليمية كان لها تأثير واضح في إعادة تشكيل موازين القوى. الانسحاب التدريجي للإمارات من بعض الملفات، مقابل انفراد السعودية بإدارة كثير من تفاصيل المشهد اليمني شمالاً وجنوباً، خلق فراغاً سياسياً وعسكرياً أعاد فتح الباب أمام تحالفات جديدة وتفاهمات غير معلنة بين أطراف كانت حتى وقت قريب في حالة مواجهة مباشرة.
هذه التحولات وضعت الجنوب أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة هناك واقع عسكري جديد تشكّل بعد سيطرة القوات الجنوبية على الأرض، وهو واقع يمنح القوى الجنوبية هامشاً أكبر من التأثير في المعادلة السياسية. ومن جهة أخرى هناك مسار سياسي دولي يسعى إلى إنهاء الحرب اليمنية عبر تسوية شاملة قد لا تأخذ بالضرورة في الاعتبار تطلعات الجنوبيين في تقرير مصيرهم أو استعادة دولتهم.
وتبدو الضغوط الدولية اليوم مركزة بشكل أساسي على إنهاء الحرب بأي صيغة ممكنة، حتى لو جاء ذلك عبر حلول وسط تُبقي على بنية الدولة اليمنية بشكلها الحالي أو المعدل. غير أن مثل هذه المقاربات تثير مخاوف واسعة في الجنوب من أن تتحول التسوية السياسية إلى مجرد عملية إعادة إنتاج للأزمة نفسها التي بدأت قبل عقود.
في الشارع الجنوبي تتصاعد في المقابل دعوات إلى الاصطفاف الداخلي وتوحيد الموقف السياسي، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن المرحلة المقبلة قد تكون الأخطر منذ سنوات طويلة. فالكثير من الجنوبيين يرون أن الجنوب اليوم لم يعد كما كان في عام 1994، سواء من حيث الوعي الشعبي المتنامي بالقضية الجنوبية، أو من حيث التوازنات العسكرية والسياسية التي نشأت خلال سنوات الحرب الأخيرة.
ومع ذلك يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة ومتباينة. فقد تكون هذه اللحظة بداية مسار سياسي جديد يعترف بالجنوب كطرف رئيسي في أي تسوية قادمة ويمنحه الحق في تقرير مستقبله ضمن ترتيبات عادلة ومتفق عليها. وقد تكون في المقابل مقدمة لمرحلة جديدة من صراع النفوذ، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية، وتتحول فيها الثروة والجغرافيا إلى ساحة مواجهة غير معلنة.
وبين هذين الاحتمالين يقف الجنوب اليوم عند مفترق طرق تاريخي بالغ الحساسية. فإما أن تتحول اللحظة الراهنة إلى مشروع سياسي متكامل يقود في النهاية إلى استعادة الدولة الجنوبية، أو أن تتشابك خيوط الصراع مرة أخرى لتدخل المنطقة في مرحلة جديدة من التنافس على الأرض والثروة والهوية.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً في المجالس الشعبية وفي الشارع وعلى منصات الإعلام: هل كانت لحظة ديسمبر بداية فجر جديد لدولة جنوبية تستعيد مكانها في الخريطة السياسية للمنطقة، أم أنها مجرد محطة عابرة في صراع أطول لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد، خصوصاً في ظل محاولات تفكيك الجنوب عسكرياً وسياسياً والدفع به إلى مرحلة استنزاف طويلة قد تستهدف في جوهرها إجهاض تطلعات الجنوبيين في بناء دولة تحفظ أمنهم واستقرارهم بعد سنوات من الصبر والتضحيات التي لا يعلم مداها إلا الله.

فيديو